من رفيق الحريري إلى سعد الحريري.. لبنان أمانة!

جيري ماهر
جيري ماهر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لم يكن اغتيال رفيق بهاء الدين الحريري اغتيالاً لسياسي أو شخص عادي في لبنان، كما كان يحدث في كل مرة عندما كانت أيادي المخابرات السورية تغتال من لا يعمل بسياستها، بل كان اغتيالاً للبنان وشعبه بكافة طوائفهم، نعم إنه اغتيال لوطن مساحته تخطت حدوده عندما كان رفيق الحريري رئيساً لوزرائه، هو الذي كان سيداً للدبلوماسية والعلاقات الدولية، وهو الذي أعاد بناء ما هدمته الحرب الأهلية من البنى التحتية في الداخل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية مع الخارج.

رفيق الحريري الذي جاء إلى لبنان كملاك حارس يحمل القلم في يد معلناً مرحلة التعليم والإزميل في يد أخرى معلناً إعادة الإعمار، وفي قلبه غصن زيتون عنوانه السلام بين أفرقاء تقاتلوا لسنوات أدت إلى تدمير لبنان وتشريد شعبه والقضاء على مقومات الدولة والمؤسسات فيه.

لم يكن رفيق الحريري عراباً لطائفة بعينها، بل جاء ليقف إلى جانب كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة ودروز دون تمييز، فتحول من سياسي ورجل أعمال إلى أب يجمع ويوحد شعبه ويقدم لهم كل مقومات الحياة ويساهم معهم في إعادة إعمار ما هدمته الحرب، معلناً إطلاق ورشة ضخمة لترميم جروح بلد الأرز ومعالجة الآثار السلبية لحرب أهلية شقت الصف والعيش المشترك بين أبناء الـ١٠٤٥٢ كم٢ من الشمال إلى الجنوب مروراً بالبقاع والجبل والساحل.

نجح رفيق الحريري بلم شمل اللبنانيين رغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها لبنان في تلك الفترة العصيبة من تاريخه، ولكن جهوده وإصراره ومحاولاته المستمرة نجحت إلى حد بعيد بتوحيد الصفوف ولم الشمل وتقريب وجهات النظر والانطلاق بقطار ينقل اللبنانيين من حقبة حرب أهلية ودمار وجهل إلى حقبة جديدة عنوانها الأبرز الوحدة والإعمار والتعليم، فكان خير من ساند الطلاب وأرسلهم إلى أفضل الجامعات للتعلم والعودة إلى لبنان للمساهمة في إعادة إعماره وتطوير مؤسساته لتتساوى مع المعايير الدولية.

اليوم وبعد ١٢ سنة على اغتيال الرفيق والوالد والصديق والسياسي المعلم والمهندس، الطبيب والمحامي والمقاوم رفيق الحريري أنظر إلى لبنان وكلّي أمل بأن أرى مشروعه وحلمه يتحقق على يد نجله سعد الحريري الذي كان خير من حمل هذا الإرث السياسي وهو الذي رفض أن يكون لطائفة ضد أخرى أو لفئة ضد فئة ثانية، وهو الذي قدم الحلول والتضحيات والوسائل الأفضل للوصول إلى الاستقرار في لبنان مستنداً على سياسة والده الشهيد الذي فارقنا جسداً، ولكن روحه بقيت معنا لتكون خير بوصلة لنجله في الحياة والسياسة رغم الصعوبات الكثيرة التي مر بها والتحديات التي واجهها والغدر الذي تعرض له من مقربون كانوا يوماً حلفاء وأصدقاء وأبناء للبيت الواحد ولكنهم اختاروا أن يكونوا غير أوفياء ومن أسمائهم لم يكن لهم نصيب من الشرف والأخلاق فكانوا جزءاً من مشروع يحاول اغتيال نجل رفيق الحريري سياسياً لتحقيق ما فشل الخصوم في تحقيقه.

بيروت وبعد ١٢ سنة على استشهاد رفيقها لم تنسَ ولن تنسى من يتمها وكسر قلبها وتركها رهينة للتجاذبات السياسية والاقتصادية، التي أثرت على أبنائها ومؤسساتها ولكنها لم ولن تستسلم وهي التي تسعى اليوم أكثر مما مضى إلى العودة إلى نشاطها بدافع أقوى يحارب من أجله نجل شهيدها وهو الذي لم ولن يتخلى عن حلم والده للبنان السيد والحر والمستقل الحاضن لجميع أبنائه والداعم لمؤسساته الدستورية والعسكرية والمالية التي بها يبقى لبنان ويبقى مشروع رفيق بهاء الدين الحريري حي لا يموت.

في النهاية أُذَكّر من يستغلون اسم الشهيد رفيق الحريري لتحقيق مكاسب سياسية معينة، أذكرهم بقول ابن مسعود - رضي الله عنه "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة؛ فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة" فهل يتعظون ويتعلمون ويعلمون يوماً أن ما يفعلونه اليوم سينقلب عليهم غداً؟ وإنهم مساهمون بشق الصف الواحد في لبنان من أجل مكاسب سياسية لن تخدم شعبهم ولكنها لتحقيق مكاسب شخصية لهم؟

وأذكرهم أيضاً بكلمة الشهيد رفيق الحريري التي قالها بصوته لتكون خارطة طريق للبنانيين دائماً من بعده عندما قال: أنا على ثقة أن اللبنانيين جميعاً سيلبون نداء الاعتدال والانفتاح كلما دعاهم الوطن إلى ذلك، هنيئاً لبيروت بالجيل الجديد مزوداً بالعلم ومحصناً بالأخلاق، لا للتناحر، لا لرواسب الحرب ومخلفاتها، نعم للوفاق، نعم للعيش المشترك، عاشت بيروت وعاش لبنان.

كلنا ثقة في النهاية بأن السياسة التي يتبعها سعد الحريري اليوم هي من الإرث الذي تركه له والده وهي أمانة يحافظ عليها ويسعى جاهداً مع فريق عمله لتطبيقها وتحقيق الحلم الذي سعى اليه الشهيد لتأمين أفضل الظروف الاقتصادية والسياسية للشعب اللبناني فلا تعتقدوا يوماً أن هذا المشروع قد سقط شهيداً مع اغتيال صاحب المشروع، ولكن روح الشهيد نقلته إلى نجله يعمل جاهداً على تنفيذه وجعله واقعاً يعيش الجيل الحالي والقادم في خيراته فلا تتخلوا عن حامل الشعلة والأمانة وكونوا خير سند لابن الشهيد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.