مخاوف هندية من تسييس العقائد
ولاية ترابراديش هي أكثر ولايات الهند سكاناً، إذ يقطنها أزيد من 204 ملايين نسمة، وبها أكثر من 20 في المئة من المسلمين المنتشرين على امتداد البلاد. كما أنها هي الأهم سياسياً على مستوى البلاد، لأن هناك 80 عضواً يمثلونها في الغرفة الأدنى في البرلمان الاتحادي، وهو أكبر عدد من النواب عن ولاية واحدة. ومن الشائع القول أن الطريق إلى نيودلهي أو تولي السلطة الاتحادية في السياسة الهندية يمر عبر ولاية ترابراديش. فقد جاء عدد من رؤساء الوزارات إلى السلطة الاتحادية من هذه الولاية. وحتى ناريندرا مودي خاض سباقه الانتخابي من هذه الولاية ذاتها ليصبح رئيس وزراء الهند في الانتخابات العامة لعام 2014.
وفي انتخابات المجلس التشريعي للولاية، التي عُقدت في الآونة الأخيرة، حقق حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم فوزاً كاسحاً ليحصد 312 من إجمالي 403 مقاعد في المجلس التشريعي للولاية. والفضل في هذا الفوز المذهل يرجع إلى رئيس الوزراء مودي بسبب حملته التي ركزت على عدد من الوعود التي تتعلق بتحسين منشآت الصحة والتعليم والتنمية وجلب الاستثمارات للولاية. ورغم أن الحزب لم يتقدم ولو بمرشح مسلم واحد في الولاية التي يقطنها 21 مليون مسلم، فقد صوّت مسلمو الولاية لصالح مرشحيه. وهذا لأنه كان لديهم ثقة كاملة في أن مودي، باعتباره رئيساً لوزراء الهند، سيواصل العمل على تنمية وتقدم كل الطوائف بصرف النظر عن التقسيم الديني.
لكن اختيار يوغي اديتاناث، الهندوسي المتشدد المعروف بخطابه المعادي للمسلمين والأقليات الأخرى، رئيساً لوزراء الولاية، أثار التساؤلات بشأن ما إذا كان مودي وحزبه يتأهبون لتنفيذ قائمة أولوياتهم القومية الهندوسية. وبدأت كل الأحزاب السياسية الهندية الأخرى تقريباً تتساءل ما إذا كان ادتياناث سيكون قادراً على تنفيذ وعود مودي في تحقيق حكم إيجابي، لأن اختيار هذا المتشدد الهندوسي رئيساً لوزراء الولاية ينطوي على كثير من التناقضات.
ويذكر أن اديتاناث واعظ ديني هندوسي بلا خبرة إدارية سابقة. والهنود لا يعلمون عنه إلا أنه ناشط هندوسي من اليمين المتطرف دخل تيار السياسة العامة كرئيس لوزراء أكثر ولايات الهند سكاناً.
والواقع أن الناسك الهندوسي المتدثر برداء أصفر، لفت الانتباه في فضاء السياسة الهندية بإلقائه خطب استقطاب وكراهية ضد الأقليات الدينية. وفي عام 2005، أعلن أنه لن يدخر جهداً حتى يحول ولاية ترابراديش والهند برمتها إلى دولة هندوسية. وتعهد بأنه إذا سنحت له الفرصة سيضع أوثاناً في المساجد وسيحول الهند إلى أمة هندوسية بالكامل. واُعتقل اديتاناث عام 2007 لتحريضه على أعمال شغب طائفية في ترابراديش بعد مقتل صبي أثناء احتفال ديني للمسلمين.
ومع الأخذ في الاعتبار تاريخ اديتاناث، يتساءل كثيرون ما إذا كان تنصيب الناسك الهندوسي صاحب الآراء المتطرفة هو اختيار رئيس وزراء الهند مودي، أم أنه اختيار قيادة منظمة «راشتريا سيواك سانغ» التي تمثل الجناح اليميني الهندوسي المتطرف، وهي المنظمة الأم لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم. واديتاناث من نشطاء المنظمة ولم يخض سباق الانتخابات التي أجريت في الولاية في الآونة الأخيرة، لكنه فُرض على الولاية ليكون رئيساً لحكومتها. وبعد اضطلاعه بالسلطة، أصدر أوامر تنفيذية بإغلاق المجازر التي يملك 90% منها مسلمون. ثم أضرم أنصاره، الذين حفزتهم هذه الأوامر التنفيذية، النيران في عدد من متاجر القصابين التي يملكها مسلمون في أنحاء الولاية.
وهذه التطورات حفزت أيضاً «سوبرامانيام سوامي» العضو في الحزب الحاكم في البرلمان الهندي، وهو أحد الأعضاء شديدي الولاء لمنظمة «راشتريا سيواك سانغ»، اليمينية على أن يتقدم بمشروع قانون في الغرفة الأعلى في البرلمان الهندي، يستهدف تطبيق عقوبة الإعدام على كل من يذبح بقرة. وأثار سوامي قضية إزالة مسجد «بابري» في المحكمة العليا الهندية، طالباً منها إعلان حكمها في الموقع المتنازع عليه بين المسلمين والهندوس منذ عقود. وجدير بالذكر أن المسجد أزاله حشد من الهندوس اليمينيين المتطرفين في عام 1992 وأرادوا إقامة معبد للإله «راما» مكانه. ومازالت المحكمة تبحث القضية.
وفيما يبدو أن الحزب الحاكم وحلفاءه من اليمين المتطرف بدؤوا الاستعداد للانتخابات العامة التالية، وأتم هؤلاء ثلاث سنوات بالفعل في السلطة وقرروا أن القومية الهندوسية يجب أن تهيمن على قائمة أولوياتهم في الفترة السابقة على الانتخابات التشريعية لعام 2019. وإحياء فكرة السياسة على أساس ديني مزعجة للغاية وقد تؤدي إلى انقسام بين الطوائف. وقد تخلق مشكلات ليس فقط في ولاية ترابراديش، ولكن أيضاً في مناطق أخرى من البلاد. وليس هذا ما تحتاجه الهند في مرحلة يجب عليها فيها أن تركز على النمو الاقتصادي السريع والخروج بأكبر عدد من الفقراء من وهدة الفقر.
*نقلاً عن "الاتحاد"