"البؤساء" في فرنسا قد يصنعون التاريخ مجدداً
في روايته "البؤساء"، يصف الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو بشيء من الجمال الموجع الظلم الناتج عن الطبقية والاقطاعية وهيمنة الأغنياء والكنيسة على كل شيء في فرنسا، وكيف يجعل كل ذلك من الناس "بؤساء" حتى العبثية.
أولئك البؤساء صنعوا الثورة الفرنسية وأسقطوا سجن الباستيل في 14 يوليو 1789، ثم وضعوا حداً للملكية، لتبدأ بعد ذلك موجة من التحول الديموقراطي التي ستغير العالم وتسهم في صنع أميركا.
وفي مايو 1968، قاد شاب فرنسي ألماني الأصل، يهودي وملحد، ثورة في الجامعات الباريسية، عرفت بالثورة الطلابية. نهلت تلك الثورة من أفكار الفلاسفة والمفكرين الجدد مثل جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وفتحت أبواب الحداثة على مصراعيها، لاسيما أبواب تحرر المرأة وانهيار كل النظم الأخلاقية المرجعية السائدة في الغرب.
في كل مرة كانت فرنسا في مقدمة صناعة التاريخ. ما يحصل فيها يؤشر للتغيرات المجتمعية والسياسية القادمة إلى الغرب، وبالتالي إلى باقي العالم، ولو بعد حين.
الانتخابات الرئاسية المقبلة لا تشذ عن ذلك التوجه على ما يبدو، إذ أصبحت فرنسا أرضاً لمعركة يمكن أن تغير العالم، معركة يخوضها "بؤساء" يعانون من التشاؤم والبطالة ومن كل أنواع الصدامات الحضارية والأمنية والاقتصادية في مجتمع فقد المرجعيات الروحية والفكرية وسقطت فيه كل قدسية.
لوبن وماكرون يجسدان الانقسام الحقيقي.
وبعد تأهلهما إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، أصبح الوسطي المستقل عن الأحزاب ايمانويل ماكرون، واليمينية المتطرفة مارين لوبن، في مقدمة معركة بين معسكرين، وبين رؤيتين نقيضتين للعالم.
لوبن القادمة من الأطراف اليمينية، والتي لم يعد بالامكان اعتبارها حالة هامشية إذ باتت منافسة جدية على رئاسة فرنسا، تقدم أفكارها بوضوح. لا تخفي أنها تستعد لهذه المعركة بحماسة، ومنذ سنوات. تقول إنها تقدم للفرنسيين وللغرب عموما فرصة تدمير "العولمة المتوحشة". هي تعتبر أن العودة إلى سيادة الدول، وإلى الحدود القديمة المحكمة الإغلاق، وإلى السياسات التي تصنع محليا، هي السبيل الوحيد للخلاص، وتحمل المشروع الأوروبي مسؤولية الفشل كله. تلك الأفكار سبق أن نجحت في إقناع البريطانيين بسلخ بلادهم عن الاتحاد الأوروبي، وساهمت أيضا في وصول دونالد ترمب إلى أقوى كرسي في العالم.
أما هو، ماكرون، فيمثل نقيض لوبن تماماً. ذلك الشاب المؤمن بشراسة بأوروبا، يقدم نفسه كبطل للعولمة ولسياسة الأسواق المفتوحة على رؤوس الأموال والأمواج البشرية على حد سواء. قبل سنة فقط لم يكن أحد خارج فرنسا قد سمع بذلك الشاب الوسيم الذي يقول ليبراليو اليوم إنه سيصبح في السابع من مايو قائد "العالم الحر" بانتظار تغير الأحوال في البيت الأبيض.
ظاهرة ماكرون أو الدينامية السياسية الجديدة
وقد يكون ماكرون نفسه الظاهرة السياسية الأبرز في الانتخابات الفرنسية. يقدم نفسه على أنه خارج الحزبين التقليديين اليميني الديغولي واليساري الاشتراكي. لكن الأصح هو أنه عابر للأحزاب وليس خارجها. فمع انهيار الانقسام الايديولوجي بين اليمين واليسار، وتحول المواجهة إلى منازلة بين العولمة والقومية، كان لا بد للنظام السياسي أن يعيد اختراع نفسه. ماكرون قد يكون ببساطة المنتج الذي صنعته هذه المعادلة الجديدة.
الموجة الشعبوية خطيرة وقوية، تقتات من الخوف المتفاقم من الآخر، من كل آخر، ومن الهجمات الارهابية وموجات النزوح وفشل النظم الاقتصادية التي وعدت الفرد بالسعادة وفشلت. لهزم تلك الموجة، كان لا بد من ماكرون، أي ماكرون. مرشح من صلب المؤسسة بثياب الثوريين، يطمئن الكبار ويدغدع مشاعر "البؤساء".