سيرة شعبوي غامض!

حازم صاغية
حازم صاغية
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

للبنانيين من أبناء جيلي، مواليد مطالع الخمسينيات، كان هناك اسم غامض يتردد بين الحين والآخر، هو: عبدالله الحاج. سبب غموضه أن دوره السياسي بدأ يذوي أواسط الخمسينيات، قبل أن يختفي تماماً عن المسرح السياسي.

ما كنا نعرفه عنه، مما نلقاه في كتب تورد اسمه بسرعة، اقتصر على شيئين: عضويته في «الجبهة الاشتراكية الوطنية» التي أسسها كمال جنبلاط لمعارضة عهد بشارة الخوري، وكونه سياسياً «يحب الشعب» ويطرح مطاليبه المعيشية، دون أن يتقيد كثيراً بالمعايير التقليدية المألوفة للحياة السياسية.مؤخراً، وبفعل الصدفة، عرفت أن الصديق وهيب معلوف أصدر، منذ 2007، كتاباً نشرته «دار النهار»، حمل عنوان «نائب الشعب الكادح: سيرة عبدالله الحاج». هكذا أتيح لي أن أكتشف، ولو متأخّراً، سياسياً لبنانياً يصح فيه الكثير من مواصفات السياسي الشعبوي، ولا يجوز المضي في تجاهله وتجاهل تجربته.

وبحسب كتاب معلوف، فإن الحاج المولود في 1899، من أبناء منطقة الشياح -الغبيري، في الضاحية الجنوبية من بيروت. درس في الجامعة الأميركية في بيروت، وهناك انتسب إلى جمعية «زهرة الآداب»، وليس إلى جمعية «العروة الوثقى» التي كانت أشد توكيداً على السياسة والقومية.

بعد تخرجه توجه إلى الموصل في العراق فعمل في التدريس، وكان ذلك في 1923، ومنها إلى نيويورك التي وصلها في 1925 لدراسة فلسفة التربية، وهناك تتلمذ على جون ديوي، أحد أبرز الفلاسفة الذين أنتجتهم الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن العشرين. وتحت إشراف ديوي، كتب أطروحته التي نال على أساسها شهادة الماجستير.

ومرة أخرى عاد الحاج إلى العراق، ليدرّس في دار المعلمين العالية في بغداد فكان أحد الذين اصطدموا بساطع الحصري، المثقف القومي العربي الشهير والمشرف على وضع البرامج التربوية. ولكنه خلال إقامته المديدة هناك، والمستمرة حتى 1941، تعرف على رستم حيدر، اللبناني الأصل الذي عينه الملك فيصل الأول رئيساً لديوانه الملكي، فعمل معاوناً له. وبعودته إلى لبنان، انخرط في العمل السياسي وترشح عن الساحل الجنوبي لبيروت «على أساس غير طائفي أو تقليدي». هكذا أنشأ علاقات مباشرة مع شبان منطقته وراح يتحدث عن العداء للاستعمار الفرنسي وعن أفكار في الديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية ورفض التقاليد.

ولئن خاض ثلاثة انتخابات عن المقعد الشيعي فإنه لم يوفّق بالفوز. إلا أنه من خلال عمله السياسي تعرف على إميل إدّه وصار قريباً من حزبه «الكتلة الوطنية». وفي 1951 دخل للمرة الأولى إلى البرلمان، فبات هدفه الأساسي محاربة عهد الرئيس بشارة الخوري والفساد الذي شابه. وعبر تكتل سياسي جمعه إلى كمال جنبلاط وكميل شمعون وغسان تويني وآخرين، وسمي «الجبهة الاشتراكية الوطنية»، مضى في مناوأته للخوري إلى أن أُجبر على الاستقالة.

وعاد الحاج ثانية إلى البرلمان في 1953 بعد خوضه معركة غير تقليدية وبأدوات وقدرات متواضعة جداً، فهزم قطباً في حجم رشيد بيضون ونال ضعف الأصوات التي نالها. ولكنه، في تلك الغضون، انخرط مجدداً في المعارضة، وهذه المرة ضد حليفه السابق شمعون، متحالفاً على الدوام مع جنبلاط، وغير بعيد عن الأجواء الناصرية العامة في المنطقة.

ولكن أكثر ما ارتبط باسم الحاج تدخله المباشر في النضالات المطلبية، للحد من سعر الخبز، أو للمطالبة بفرض ضرائب على الشركات، أو لخفض تكلفة الكهرباء حتى لُقّب بـ«عبد الله الكهربا». ومثلما كان دائم المخاطبة لـ«الشعب»، والمطالبة بانتخاب الرئيس من الشعب مباشرة، فإنه لم يتقيد، في البرلمان، بالمعايير والاعتبارات التي كان يتقيد بها سائر النوّاب. وهي جميعاً مواصفات حدت لاحقاً بالبعض إلى تسميته شعبوياً.

وفي الحالات جميعاً، فإنها صفحة من التاريخ اللبناني، أحسنَ وهيب معلوف بأن عرّفنا بها. ولم يكن بلا دلالة رمزية أن الحاج توفي في 1975، سنة اندلاع الحرب الأهلية التي أعلنت انقراض هذا الصنف من السياسيين.

نقلاً عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط