"تشارلي يمثل كارمن" لشابلن: تجديدات بالجملة وقطيعة خلاقة
نعرف من خلال سيرة تشارلي شابلن أنه ظلّ حتى أيامه الأخيرة، «ينكر» انه مثل وأخرج طوال حياته المهنية فيلماً مقتبساً من اوبرا «كارمن» (لبروسبير مريميه وجورج بيزيه). لكنه كان يعرف جيداً في المقابل أن أحداً لا يصدق «إنكاره»، وذلك بالتحديد لأنه حقق هذا الفيلم حقاً في العام 1915. كل ما في الأمر أن الفيلم الذي حققه، اتى شيئاً آخر غير الفيلم الذي عرض بعد إنجازه «كارمن». وهي حكاية طالما تكررت مع كبار فناني السينما على مدى تاريخ الفن السابع، حين يحققون فيلماً، ثم يأتي المنتجون ليبدلوا فيه، أو يضيفوا إليه، ناسفين إياه من أساسه. وينضوي هذا الأمر بالطبع في ذلك الواقع المتشعب وغير المستقر للفن السينمائي والذي يجعل ملكية الفيلم، سواءً معنوية فنية كانت، أو حتى مادية خالصة، مبهمة بحيث يصعب حتى على القضاء أن يبت في الأمر. ومن هنا لطالما شُوّهت أفلام على أيدي المنتجين، ولطالما أنكر مبدعون مسؤوليتهم عن أفلام يعرف كل الناس انهم هم الذين حققوها، لكن الناس قد لا يعرفون أن ثمة أيادي عبثت بها مفقدة إياها تلك الروح التي لا يمكن أن يملك سرها سوى مبدعوها أنفسهم. اما بالنسبة الى شابلن، فإنه وعلى عكس كثر من الذين قد يجابهون منتجيهم أو أي طرف آخر يشوّه أفلامهم باللجوء الى القضاء أو الى الرأي العام، لم يصدر منشوراً ولم يخض صراعاً، وإنما اكتفى بإنكار فيلمه وظل ينكره حتى أيامه الأخيرة. غير أن الإنكار ليس من شأنه أن يبدّل شيئاً في واقع أن ثمة في تاريخ السينما فيلماً حققه تشارلي شابلن إنطلاقاً من أوبرا «كارمن»، وأنه إذا كان من الصعب الحديث عن قيمة فنية ما للفيلم، فإن الحديث عن قيمة تاريخية له، لا يبدو مستحيلاً، كما سنرى في السطور التالية.
بل إن علينا ان نتنبه هنا الى أن لهذا الفيلم (واسمه الذي تم التعارف على أن يكون له هو «تشارلي يمثل كارمن») قيمة تاريخية كبيرة، إذ انه، من ناحية يسجل نهاية تعاون شابلن مع شركة «ايسّناي» التي انتجت معظم أفلامه الأولى، كما يسجل قيامه بأول دور درامي له (يبتعد قليلاً عن صورة «الصعلوك» المعتادة) وهو دور «دون خوسيه»، حتى وإن كان الصعلوك موجوداً بدوره في سياق الفيلم إذ يقدّم شابلن في الوقت نفسه، شخصية ممثل يقوم هنا بدور عاشق «كارمن»، وإضافة الى هذا يسجل شابلن في هذا الفيلم بدء تعاطيه الساخر والناقد مع فن السينما نفسه، إذ انه إنما حقق «كارمن» (او بالأحرى «شارلي يمثل كارمن») لكي يسخر من فيلمين ميلودراميين عن كارمن كانا حققا في ذلك العام نفسه: فيلم من إخراج سيسيل ب. دي ميلي (من بطولة جيرالدين فارار) وآخر من إخراج فرانك لويد (من بطولة تيدا بارا). والحال أن هاتين - فارار وبارا - كانتا أكبر نجمتين في هوليوود في ذلك الحين، وأراد شابلن أن يجابه نجوميتهما التي كانت تشعره بشيء من الغيرة والإحباط وربما لأسباب غير سينمائية حيث من المعروف ان الحياة والسينما كانتا ممتزجتين حينها، ولفترة طويلة أخرى من الزمن أيضاً، في مسار شابلن الحياتي والفني ما حرّك لديه أحياناً مشاريع بأسرها، وأجهض مشاريع، غير أن هذه حكاية أخرى طبعاً. أما حكايتنا هنا فتتعلق بهذا الفيلم الذي أتى فيه شابلن، بفاتنته الحسناء، في ذلك الحين، إدنا بورفيانس، ليسند إليها دور «كارمن»... وفي هذا الإطار على الأقل، نعرف انه حقق النجاح الذي كان يتوخاه لتبدأ بورفيانس بهذا الفيلم وبأدائها شخصية كارمن، رحلتها مع النجومية التي غالباً ما تواصلت في افلام تالية لشابلن.
ونعود هنا الى الفيلم نفسه لنشير الى ما قد يبدو غريباً اليوم بعض الشيء حيث أن ما هو موجود منه الآن هو فيلم في أربع بكرات، مع أن الأصل الذي حققه شابلن كان من بكرتين فقط. فالذي حدث هو أن شابلن بعد تحقيقه فيلمه، اصطدم بالشركة المنتجة كما أشرنا أعلاه... وهكذا إذ قدم الفيلم في عرض محصور في شكله الأساس في كانون الثاني (يناير) 1915، عاد وقدم في شكله الجديد بعد أربعة أشهر. والشكل الجديد هو الذي أضيفت إليه بكرتان حققهما الممثل بن طربين الذي كان، في الأصل، يشكل جزءاً من فريق شابلن، لكن ما أقدم عليه، أفسد العلاقة بينهما. والطريف أن طربين، الذي جعل الإضافة الأساسية عبارة عن مشاهد يعيش هو فيها بين جماعة من البوهيميين وتبدو مقحمة على الفيلم اقحاماً تاماً، لا يلتقي في أحداث الفيلم بشابلن على الإطلاق، ما يجعل كل مشاهده غير ذات علاقة بتلك الأحداث. ومع هذا كان بين الجمهور من استساغ تلك الصيغة وسره أن ينال وقتاً إضافياً يلهو فيه ويتمتع بالمشاهد، ما زاد من غيظ شابلن غيظاً.
المهم أن فيلم «كارمن» الأصلي وكما حققه شابلن في بكرتين، ينطلق من أوبرا «كارمن» المعروفة نفسها بأحداثها الفجائعية المعتادة، لكن شابلن، قلب المأساة مهزلة، اذ جعل منه فيلماً يسخر من السينما التي سبقته في تقديم «كارمن». وهكذا، إذا كان تتالي الأحداث والمشاهد يسير، أصلاً، تبعاً للمخطط المعهود في الأوبرا، فإن تشابلن استخدم أجواء إسبانيا التقليدية، والشخصيات النمطية، والحبكة المفبركة، اضافة الى المواقف المصطنعة، ليحول ذلك كله ذريعة لتحطيم عمل فني كبير... ولم يكن هذا، من قبله، صدفة، بل كان مقصوداً كما أشرنا.
ومن هنا فإن الجمهور كان يعرف سلفاً انه لن يدخل الى الصالات المعتمة لمشاهدة الأوبرا. كان يعرف أن شابلن يخبئ له مفاجآت ... وهكذا تبدت المفاجآت في سلسلة المشاهد الطريفة والقوية التي تعمّد شابلن أن يجعل كلاً منها وكأنه فقرة ضاحكة - مسلية في «الميوزيكهول»، بدءاً من المعركة العنيفة التي تدور بين الفتيات صانعات السجائر، وصولاً الى اللعبة الدوارة التي تجري على شكلة مطاردة بين شابلن، كشارلو الصعلوك، وشابلن كدون خوسيه. إن كل شيء يبدو هنا فاقعاً، بما في ذلك المهربون الذين بدلاً من أن يثيروا الرعب في العمل كما يفترض بهم هم الذين من المعروف انهم يمثلون الشر المطلق، بدوا ساخرين مضحكين مثل راقصين في استعراض هزلي. وتصل السخرية الى ذروتها في ذلك المشهد الذي يقوم فيه الجنود بشن الهجوم «النهائي» على المهربين في معقلهم. هنا في لعبة سينمائية بصرية رائعة، اثبتت عبقرية شابلن، كمخرج ولكن أيضاً ككاتب سيناريو، تدور الأمور من حول باب مزرعة يدفعه الجنود ويحاول المهربون بدورهم دفعه في اتجاه آخر. وبعد ذلك حين يسقط الباب، يظل هؤلاء وأولئك يتدافعون ضد بعضهم البعض وكأن الباب لا يزال موجوداً، واقعين يميناً ويساراً خابطين رؤوسهم ضد الباب الوهمي.
والحقيقة أن ابتكارات شابلن البصرية في هذا العمل، تبدو كثيرة وتفوق ما كانت تسمح به الامكانات التقنية الفعلية، ما يشي بأن تشارلي شابلن، انما كان يريد من عمله هذا ان يكون فاتحة لتجديدات تقنية لا سيما على صعيد تصوير ما سيصبح لديه، بعد ذلك، رقصات باليه جماعية تكون أول الأمر مجرد صراعات جسدية. ولربما يعود غيظ شابلن إزاء «كارمن» هذا الى أن القطيعة التي حدثت بسببه بينه وبين شركته الأثيرة في ذلك الحين، أوقفت ذلك التوجه لديه، وجعلته يعود، خلال سنوات تالية، الى أساليبه المعتادة، ما أخر تجديداته التي سنعثر عليها في أعمال كبيرة تالية له، مثل «الهجمة على الذهب» و «الأزمنة الحديثة» و «الصبي» و «السيرك»... ولكن من النادر أن نجد لها جذوراً في معظم اعمال شابلن التي تعود الى العقد الثاني من القرن العشرين، العقد الذي شهد بداية تكوّنه وشهرته، ومهد على أية حال لنجاحاته التالية. والعقد الذي توسطه «كارمن» الذي كان - على رغم كل شيء - تمهيداً حقيقياً لظهور شابلن لاحقاً كمخرج كبير يجعل من الكاميرا أداة طيعة، لا مجرد آلة تسجل ما يحدث أمامها.
* نقلا عن "الحياة"