كثرة الأوهام تدمر حس الحقيقة

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

قرأت في أحد البحوث العربية ان أميركا تصرف على البحث العلمي اربعمائة مليار بينما الدول العربية لا تصرف أكثر من أربعة مليارات. قرأت أيضا أن نسبة الأمية في البلاد العربية تزيد على ثلاثين في المائة.

ما الذي تفهمه من هاتين المعلومتين؟ البحث الأول يفيدني إذا افادني ان صاحب البحث يريد أن يقول إن أميركا متقدمة والعرب متخلفون.

من أي الزوايا تقرأ هذه الاحصائيات: من باب النقد أو التشمت أو البحث عن الحقيقة. كيف تستفيد من قول الباحث ان العرب يصرفون على البحث أربعة مليارات أو مئة مليار.

ربما كانت المملكة تصرف ثلاثة مليارات وبقية العرب يصرفون المليار الباقي. دمج المملكة في رقم واحد مع بقية العرب في هذه الحالة أضاع حق المملكة ووضعها ضمن تخلف الآخرين أو العكس. قرار الميزانية والتوجهات الثقافية والفكرية والسياسية يختلف من دولة عربية إلى أخرى. ما الفائدة من جمع الدول العربية في تقرير واحد في أي مجال.

نقرأ مثلا أن نسبة التحرش في العالم العربي بلغت مستويات كبيرة. ما الذي يعنينا في هذا الكلام الذي لا يقود إلى معرفة. هل من العلم والمعرفة دمج المملكة مع مصر مثلا في تقرير حول الأمية أو دمج الإمارات مع الصومال في نسبة التحرش أو دمج الجزائر مع اليمن في نسبة دخل الفرد. عندما تقرأ الأرقام منفصلة سترى فجوة كبرى في الأمية بين السعودي ومصر بين المغرب والكويت الخ. الصومال وسورية والعراق على سبيل المثال توقف التعليم فيها سنوات بينما تنامى في المملكة.

ما الذي يدعونا وما هي مصلحتنا من دمج احصائيات المملكة في تقرير واحد مع بقية احصائيات الدول العربية. في كل إحصائية مدمجة لن نحصل إلا على الخذلان وتقريع الذات أو الهراء.

حان الوقت ان ننتزع الحقائق من الوهم. ثمة وهم يعشش في ادمغتنا أن العرب امة واحدة يشتركون في الهموم والتطلعات ونحن نعرف أن العرب يختلفون حتى في ادق التفاصيل السياسية.

بعد التحرر من الاستعمار وانطلاق دعوات الوحدة والقومية, تبنى الإعلام العربي ايدلوجيا الوحدة وكأنها أصبحت على الأبواب. ظهرت اوصاف يتبادلها السياسيون العرب فيما بينهم. نقول عن أميركا وبريطانيا وفرنسا أصدقاء ونقول عن السودان والمغرب والكويت اشقاء. لو راجعنا التاريخ سنرى أن معظم بلاوينا ومشاكلنا ومشاكل العرب مصدرها الأشقاء لا الأصدقاء ولا الأعداء. كثرة الأوهام تدمر حس الحقيقة.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.