أصداء التقارب الهندي- الأميركي
بعد أن جاء الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، ثارت شكوك في الهند بشأن مسار العلاقات بين البلدين بسبب عدم القدرة على توقع تصرفات الرئيس الأميركي الجديد، لكن بعد مرور شهور على إدارة ترامب في السلطة، تواصل واشنطن مسعاها للتقارب مع الهند. وأثناء زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في الآونة الأخيرة لنيودلهي، أعلن أن الولايات المتحدة تؤيد صعود الهند كزعامة بارزة. وتحدث عن تحالف ناشئ بين الهند واليابان والولايات المتحدة. وأضاف وزير الخارجية أن كلا البلدين يدعم «نهجاً مستنداً على قواعد» فيما يتعلق بالأعراف ونهجاً مستداماً وشفافاً في التنمية الاقتصادية، وأن اليابان تشاركهما في هذه الجهود. ولم يدعم تيلرسون فقط ظهور الهند كزعامة دولية، بل قدم أيضاً التكنولوجيا العسكرية المتقدمة لدعم القدرات العسكرية للهند.
وبينما تعززت العلاقات بين الهند والولايات المتحدة تدريجياً على مدار أكثر من عقد، إلا أن إدارة ترامب يلاحظ عليها أنها تحرص بشدة لأن تضمن ولاء الهند. وهذا لأن البلدين يشتركان في القلق من تصاعد جرأة الصين. ولدى نيودلهي نزاع حدودي متأزم مع الصين، وينتابها قلق من تزايد نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي تقريباً، في كل الدول المجاورة للهند. وتضمن النفوذ الاقتصادي للصين في دول جوار الهند قيامها بمشروعات بنية تحتية ضخمة في سيريلانكا وباكستان وبنجلادش ونيبال. والولايات المتحدة قلقة من تزايد جسارة الصين في نزاعات على مناطق محل خلاف في بحر الصين الجنوبي مع دول مثل الفلبين وفيتنام.
وقبيل زيارة تيلرسون، صدرت تصريحات سياسية حددت الدور المهم للهند بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في آسيا. فقد أعلن الرئيس ترامب أن بلاده تريد أن تشارك الهند بشكل أكبر في الصراع القائم في أفغانستان. ومن المعروف أن الإدارة الأميركية ترددت في السابق في السعي إلى مشاركة هندية أكبر في أفغانستان بسبب المعارضة القوية من باكستان، وهي حليف محوري للولايات المتحدة في أفغانستان، لكن إدارة ترامب تحث الهند لأن تشارك بقوة في الصراع الدائر في أفغانستان رغم احتجاجات باكستان. والشهر الماضي، أشاد تيلرسون بالهند ودعا إلى شراكة أميركية هندية أكبر في منطقة المحيط الهندي والهادي، كما انتقد الصين لتقويضها «النظام الدولي القائم على قواعد».
ويأتي تقارب الولايات المتحدة مع الهند في وقت تتخلص فيه نيودلهي أيضاً من أسر خشيتها الماضية من أن يُنظر إليها باعتبارها متحيزة بشدة إلى جانب الولايات المتحدة مخافة إقصاء حليفتها القديمة روسيا، لكن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أكثر استعداداً للسعي في سبيل تعزيز العلاقات مع واشنطن رغم أن هناك عدة مجالات للخلاف بين البلدين وخاصة فيما يتعلق بباكستان. والواقع أن الهند تريد أن ترى سياسة أميركية أكثر صرامة ضد الإرهاب الذي يأتيها من الأراضي الباكستانية، لكن زيارة تيلرسون إلى الهند وضعت العلاقات بين البلدين على أساس أقوى، لكن المضي قدماً في مجالات فيها اتفاق من حيث المبدأ يتوقف على ما ستتمخض عنه الزيارة الوشيكة للرئيس ترامب إلى الصين وتأثيرها على سياسة الولايات المتحدة في آسيا.
ومن الواضح إلى حد كبير أنه من غير المرجح أن يتغير نهج واشنطن تجاه إسلام آباد رغم تصريحات ترامب ومسؤولي إدارته بشأن الضغط على باكستان لبذل المزيد من الجهود للتصدي للإرهاب. والواقع أنه إذا أرادت الولايات المتحدة النجاح في أفغانستان وما دامت قواتها موجودة هناك، فإنها تحتاج بشدة إلى باكستان ومضطرة إلى الاعتماد عليها بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي. وتقدم باكستان الدعم اللوجستي للقوات الأميركية في أفغانستان. ولا بديل عن باكستان للنجاح في أفغانستان، ومن ثم فرغم الخطاب شديد اللهجة لترامب ضد إسلام آباد، فمن غير المرجح أن تغير الولايات المتحدة طبيعة علاقاتها معها. وإسلام آباد تدرك جيداً أهميتها لواشنطن في مستنقع أفغانستان. وإشادة ترامب بباكستان بعد العملية الناجحة لقوات الأمن الباكستانية ضد متشددي «طالبان» لتأمين الإفراج عن زوجين يحملان الجنسيتين الأميركية والكندية وأطفالهما، تمثل دليلاً واضحاً على الاعتماد الأميركي على باكستان.
وتعززت العلاقات الثنائية بين الهند والولايات المتحدة بشكل كبير في العقد الماضي. وبلغ حجم التجارة بين البلدين 115 مليار دولار العام الماضي. وأصبحت العلاقات العسكرية خصوصاً حجر الأساس للعلاقات مع تحسن الشراكة العسكرية، التي تضمنت مناورات عسكرية بين البلدين. وإلى جانب هذا، فإن تودد الولايات المتحدة إلى الهند له أساس من الوقائع الصارمة. والهند في الوقت الحالي هي أكبر مشتر للأسلحة الأميركية في العالم والولايات المتحدة حريصة على بيع الأسلحة للهند. وفي الوقت الحالي، تسعى القوات الجوية الهندية إلى شراء طائرات مقاتلة وتعتبر طائرات إف 16 منافساً قوياً رغم أنها تواجه منافسة قوية من الشركات الفرنسية والأوروبية الأخرى. ورغم مجالات الخلاف الكثيرة، فلا شك تقريباً في أن زيارة وزير الخارجية الأميركي أكدت التقارب المتزايد في المصالح بين البلدين.
* نقلا عن "الاتحاد"