.
.
.
.

مصر تغني يا حبيبتي يا شادية

عبد الرحيم كمال

نشر في: آخر تحديث:

أن تكون قيمتك من قيمة الوطن الذي تنتمي إليه تلك هي القضية، أن ترى نفسك أصلاً إنساناً ذَا قيمة وتفخر وتصدق تلك القيمة من داخلك، ولكن حينما لا تصدق ذلك وتظل ترى نفسك صعلوكاً حلمه الخروج إلى البلاد الأخرى والمشي في شوارعها والأكل في مطاعمها والشرب من مياهها، وتنتهز الفرصة لتسب تلك البلاد التي نشأت فيها ليست المشكلة في الفقر المادي بالتأكيد، فغالب نجوم مصر من أصول بسيطة، لكن المشكلة ضيق العقل والقلب والنفس التي لم تستطع أن تغفر وتتسامح مع الماضي المؤلم، الفقر والعوز يستطيع الإنسان العاقل المتعلم الواعي أن يتجاوزه بالنضج والتجربة، لكن من يفشل في تلك القفزة فيفلت لسانه وتنطلق أقواله من حين إلى آخر بما لا يليق، فإن ذلك يعني أنه بحاجة إلى علاج يعيد إليه ثقته بنفسه وتصديقه لها.

ليس مطلوباً فقط منك أن تجيد عدة لغات وأن تتعلم كيف ترتدي ملابس على أحدث خطوط الموضة وأن تتعلم الإتيكيت محاولاً إصلاح وتعويض ما لم تنله صغيراً لكن الأهم أن تحافظ على الفطرة والرهافة والحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية وأن تصدق أنك لست مجرد إنسان يقف على المسرح خارج حدود وطنه.

لم تتفوه أم كلثوم ولا عبدالحليم - رغم بساطة المنشأ فكلاهما من قريتين صغيرتين وعائلات مستورة - بسخط ولا سخرية عن بلدهم وظلوا واجهة مشرفة وحققا نجومية طاغية تجاوزت حدود مصر وامتدت إلى العالم العربي وخارجه أم كلثوم طفلة بصحبة أبيها تجوب الكفور والنجوع لتغني وعبدالحليم أصيب طفلاً بالبلهارسيا وقدراً باليتم لكنهما ببساطة صدقا واعتقدا أنهما جزء من كل عظيم، الإساءة أو زلة اللسان ربما تقل خطورتهما إذا ما كان يمسان شخصاً ما ويستطيع المخطأ بعدها أن يعتذر ولكن الإساءة إلى الوطن تجعل الاعتذار يكاد يكون مستحيلاً لأن الوطن له ذاكرة لا تنسى.

شادية غنت لمصر بصدق شديد ولَم تتنكر ولَم تتهكم من بلدها أو تسخر منها كما فعلت إحدى المطربات في حفلة خارج حدود الوطن. مطربة من اللاتي كان كل طموحهن الخروج من مصر في رحلة ولو إلى بلد قريب حينما يكون الفنان جزءاً حقيقياً من بلده يغني لبلده كما يغني لنفسه.

المطربة الجميلة شادية - شفاها الله ومتعها بالصحة والعافية - حينما غنت بصدق يا حبيبتي يا مصر قالت لها مصر بكل أطيافها عند المرض يا حبيبتي يا شادية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.