أولاد داعش... أينكم؟
كريستينا.. أكرم.. جومانا، عمر وغيرهم المئات من الأولاد الذين غرقوا لسنوات في دهاليز السواد.
بين جدران داعش عاشوا "سنينهم الضائعة"، وغرفوا من نهر الصدمات.
وأنا أشاهد وثائقي "أولاد داعش المفقودون"، لم أستطع كتمان غيظي. وأنا أنظر لتلك الوجوه العراقية التي لا تزال بعد تحريرها تحمل ذيول الصدمات، تجر وراءها سلاسل الشقاء، سحقتني ملامحهم.
إحدى الطفلات التي لم تتخط الخامسة، حاولت إحراق نفسها، ولا تنفك تتحدث عن الجنس، بحسب ما أكد أحد أقاربها.
طفل آخر تحدث من خيمة اللجوء، كيف حاول أخوه الصغير قطع أذن أخته.
هؤلاء الذين ذاقوا طعم الغضب، سيتحسسون لسنوات رقابهم، ويتلمسون جرحهم النازف.
أنّى لطفل أن يستوعب الذي جرى، كيف له أن يدرك ما فعلوه، ويعي أنه ولأيام وسنين قادمة سيحمل كل تلك الندبات، كل هذا الغيظ المكتوم.
أنّى لقلبه الصغير وعقله أن يستوعب.
بعض الأطفال بيع في "أسواق" عبر الهواتف والواتساب، نقلت ملكيته بين "أخ مجاهد" موبوء وآخر.
فتيات لا بل "طفلات" زُوّجن، دخلت أجساد "الوحوش" في أجسامهن الصغيرة، الغضة.
كيف لطفلة عاشت تلك التجربة أن تُشفى؟
كيف لكيانها أن يتأقلم مع هذا الضرب الصارخ لكل ما يمكن لعقل أن يعيه.
أتذكرون يوم أحبطت القوات العراقية عملية انتحارية، قبل أشهر عديدة كان بطلها طفلا في التاسعة من عمره، مزنراً بحزام ناسف.
هذا الطفل كُّبل بعد أن تجمع حوله عشرات رجال الأمن، ربطت يداه بالأصفاد، طفل التاسعة سيق كما النعجة إلى الذبح، إلى القضبان. راح يصرخ ويبكي بشكل هستيري.
إنه الجهل.. كم من صبي مثله من "أجيال داعش" المضروبة في العراق، وسوريا.
مئات العائلات من العراقيين والسوريين شتت شملهم، قطعت أوصالهم، وفرق الأولاد والأشقاء بين سوريا والعراق، من الموصل إلى الرقة، وغيرهما.
حرر العراق من داعش؟ ربما.. إلا أن مئات العيون الصغيرة لا تزال تحت الصدمة، ستحمل ندوبها طويلاً طويلاً.
أما الأسوأ فهو أن السلطات العراقية والكردية، تعتقل اليوم المئات من هؤلاء الضحايا، بعضهم لا يتخطى عمره التاسعة، وإن كانوا يوضعون في ما يشبه مراكز التأهيل في كردستان مثلاً، إلا أنها لا تتطابق بشيء مع المؤسسات التي يفترض أن تحضن هؤلاء "المساجين حتى إشعار آخر".
أولئك "التائهون" "المبعدون"، "المنبوذون" الذين لا يريدهم أحد، يجب أن يخضعوا لرعاية نفسية، وإلا ما أنتم إلا بمؤجلين لـ "ثورة الوحش" وغضبة الداعشي الصغير الذي نما في داخلهم.
هذا الوحش الخائف الآن لن يكون كذلك بعد سنوات. فمع الوقت يتحول خوفنا وغضبنا وعنفنا إلى سهام قتل وكراهية.
لا بد أن تولد مشاهد الدماء والذبح وعيش القهر، قتلاً، فكيف إذا ترافقت مع بتر للأوصال والأرحام، وتشتيت للإخوة؟
ولعل ما يزيد الطين بلة أن أقارب الإرهابيين حملوا وزر الدواعش، وأطفالهم أيضاً.
في العراق، وحده وإن لم تكن التقديرات والأرقام رسمية إلا أن ما يقارب الـ 9 آلاف عائلة وسمت "بالداعشية"، والمئات من الأطفال أيضاً.
فبعد نشوة الانتصار، هل من منقذ لهؤلاء الصغار الذين لا زال بعضهم مجهول المكان؟