إغلاق المتاجر لأداء الصلاة

محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

يقول جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فامتثل المسلمون منذ أن نزلت هذه الآية للأمر الإلهي، وتركوا المتاجرة، وإبرام صفقات البيع والشراء، وأغلقوا متاجرهم في كل يوم جمعة، غير أن المتشددين تزيّدوا، وفرضوا على الناس إغلاق متاجرهم ليس في يوم الجمعة فحسب كما جاء في الأمر الإلهي، وإنما في كل صلاة مفروضة، ومعروف أن الزيادة في مسائل العبادات كالنقصان فيها.

وسبق لي أن قلت لأحد الفقهاء المتشددين الغلاة، إن الله جلا وعلا نص فقط على يوم الجمعة، لأن المسلم فيها يحضر خطبة الجمعة وبعدها الصلاة، التي ميزها عن غيرها من صلوات الظهر بأن قصرها على ركعتين فقط. قال: والله يقول – أيضا - في آية أخرى: (رجالٌ لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإِقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار). قلت له: الآية الأولى خاصة بصلاة الجمعة حصرا، بينما الآية الثانية عامة مجملة، تشمل كل أنواع الذكر وليس الصلاة المفروضة فحسب، ومعروف عند فقهاء الأصول تقديم المفصل على المجمل، كما أنه سبحانه عطف الصلاة على إيتاء الزكاة، ثم إن جميع الصلوات، غير يوم الجمعة، يُباح للمسلم أن يقيمها جماعة ليس في المساجد فقط، وإنما في أي مكان طاهر، بل إنها تُقبل منه منفردا، إضافة إلى أن من خصائص دين الإسلام التي خص بها الله تعالى محمداً من بين الرسل أن الصلاة تُقام في أي مكان طاهر على وجه الأرض، وليس في المساجد فقط، كما هي صلاة الجمعة، رغم أن الجماعة أفضل، لكنها تُقبل من المسلم إذا أداها منفردا كما اتفق على ذلك جميع فقهاء مذاهب أهل السنة.

كما لم أجد في تاريخ الإسلام الذي اطلعت عليه، ابتداء من عصر الخلفاء الراشدين، مرورا بجميع الدول الإسلامية اللاحقة، أية إشارة إلى أنهم كانوا يغلقون متاجرهم بعد الأذان مباشرة، وإذا كان لدى أحدهم مثل تلك الإشارة، فليطلعني عليها، رغم أن التاريخ الذي وصلنا تطرق إلى تفاصيل حياتية لتلك العصور، أقل من حيث الأهمية من ذلك. إضافة إلى أن بعض الفقهاء ذهبوا استنادا إلى الأمر الرباني بترك البيع والشراء يوم الجمعة إلى (إبطال) كل عقد بيع وشراء تم عقده وقت إقامة صلاة الجمعة، بينما لم يذهبوا إلى فساد العقود بعد الأذان لكل صلاة. والعالم اليوم يحتوي على 56 دولة إسلامية، جميعهم دون استثناء، يمارسون البيع والشراء بعد الأذان، ولا يأمرون بإغلاق المتاجر.

كما أن هناك نساء يرتدن الأسواق، لا يطلب منهن الصلاة جماعة في المساجد كما هو معروف، وتلبية حوائجهن تتطلب أن يقوم البعض بذلك، ومن أراد (الفضل) فليذهب ليؤدّها في المسجد، ومن أداها في متجره، أو في بيته، فله ذلك طالما أنه أداها في مواقيتها، ولا يُجبر على غير ذلك في غير يوم الجمعة. وقد مد الشارع مواقيت الصلوات لأكثر من ساعة ونصف في أغلب الأوقات من كل يوم، ولا شك لدي أن العبرة من إطالة هذا الوقت ليتمكن أصحاب الحاجات والظروف والمستعجلين المواءمة بين قضاء الحاجات الدنيوية والواجبات الدينية، فلماذا (نضيّق) ما أعطانا الله فيه فسحة من الوقت؟

واليوم تعتبر سرعة حركة البيع والشراء من شأنها أن تكون ذات مردود إيجابي على الاقتصاد في الدولة، الأمر الذي يكون فيه الإغلاق لكل أوقات الصلاة له مردود عكسي على الحركة الاقتصادية، ومعروف أن العلماء يعتنون عناية خاصة بمصالح الناس، والتسهيل عليهم، وكما قال ابن القيم رحمه الله (أينما تكون المصلحة فثم شرع الله).

لذلك فإنني آمل إعادة النظر في مسألة إغلاق المتاجر بعد كل أذان نظرا للمبررات التي جاء ذكرها آنفا.

إلى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط