الهند.. أزمة قضائية
تعد الهند هي أكبر ديمقراطية في العالم، حيث تجرى الانتخابات مرة كل خمس سنوات للسماح للمواطنين بانتخاب الحزب والحكومة التي يختارونها لحكم البلاد. والكثيرون لا يدركون أن هذه الديمقراطية النابضة بالحياة ليست مجرد وسيلة لاختيار حكومة وانتقاء قيادات للحكم، بل هي بالأحرى ديمقراطية دستورية تكون فيها الأعمدة الأساسية، وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية مستقلة عن بعضها البعض في العمل. وتضمن هذه الديمقراطية الدستورية التزاماً أوسع نطاقاً بفكرة أن سلطة البلاد محدودة وخاضعة للمساءلة وديمقراطية. وتحظى المحكمة العليا في الهند، وهي الصرح الرئيسي للسلطة القضائية وواحدة من أكثر المؤسسات احتراما في البلاد، بتقدير كبير، بيد أن مؤسسة العدالة هذه تواجه أزمة لم يسبق لها مثيل، ما يثير تساؤلات حول التقاليد والأعراف في نظامها القضائي. وفي تطور غير مسبوق، قام أربعة من قضاة المحكمة العليا في الهند ممن يحظون باحترام كبير، بانتقاد كبير قضاة الهند وذلك خلال مؤتمر صحفي. وقد كان المؤتمر الصحفي الذي عقده القضاة الأربعة، والذي يعد الأول من نوعه في تاريخ الهند المستقلة، حدث غير عادي حيث إن القضاة دائماً يظلون بعيداً عن الصحافة ووهج وسائل الإعلام. ولكن اجتماع القضاة الأربعة، الذي ضم بشكل مفاجئ رئيس قضاة الهند القادم، أحدث صدمة في الدولة التي لم تعتد رؤية قضاة يثيرون مظالمهم علانية.
وقد صرح القضاة الأربعة، وهم أكبر قضاة في محكمة الهند العليا بعد رئيس القضاة، في بث مباشر، سلسلة من الشكاوى من مشاكل تتعلق بتوزيع قضايا حساسة على صغار القضاة، إلى جانب شواغل تتعلق بالتعيينات القضائية. وفي إشارة على خطورة الأزمة الحالية في السلطة القضائية، قال القضاة الأربعة إنهم قرروا التحدث علانية وذلك بعد أن «اقتنعوا تماما أنه ما لم يتم الحفاظ على مؤسسة (العدالة) هذه والحفاظ على اتزانها، فلن تحيا الديمقراطية في هذا البلد».
والقضية بين رئيس القضاة في الهند وكبار القضاة هي قضية ذات طابع إداري حيث يعتقدون أنها من الجدية بما يكفي لدفعهم على نشرها علانية. وعلى الرغم من أن القضاة لم يخوضوا في تفاصيل كبيرة، لكنهم اتهموا رئيس القضاة، في رسالة بعثوا بها إليه، بالتعسف في استخدام سلطاته الإدارية لتحديد سلفا نتائج القضايا الحساسة سياسيا، من خلال عدم اتباع القواعد في تخصيص القضايا، ما يعد خروجاً عن القواعد. وقالوا إن القضايا المهمة التي لها تداعيات وطنية خطيرة كان يجرى تخصيصها لبعض القضاة المبتدئين، في تجاوز لمعظم كبار القضاة في السلطة القضائية. ورغم ذلك، فإن القضية الأكثر خطورة التي أثاروها كانت تتعلق ب «إساءة استخدام السلطة» من أجل «تحقيق نتائج معينة في القضايا المهمة والحساسة». وقالوا إن تخصيص القضايا لا يمكن أن يتم «بطريقة تعسفية بهذه الطريقة والتي يتم بها إرسال القضايا الحساسة والمهمة إلى بعض القضاة الذين يختارهم كبير القضاة».
هذا من الممكن وصفه بأنه واحد من أكثر الاتهامات التي تنذر بالخطر، والتي ظهرت في هذه الواقعة. وقد فتحت هذه الواقعة وحدها أزمة كبيرة فيما يتعلق بالسلطة القضائية. فبالنسبة لديمقراطية مثل الهند، يعتبر وجود أزمة في القضاء أمراً خطيراً. فالناس لا يثقون تماماً في السياسيين لكنهم دائماً يعربون عن إيمانهم بأن أعلى سلطة قضائية في البلاد ستتمكن من تصحيح الأخطاء وتحقيق نوع من العدالة في النظام. ومن هنا، فإن بيان القضاة الأربعة البارزين من واحدة من أكبر المؤسسات احتراما للكشف عن أن كل الأمور لا تسير على ما يرام داخل السلطة القضائية يعد أمرا مثيرا للقلق بالنسبة للدولة.
وليس ثمة شك في أن هذه الواقعة تميل إلى زعزعة ثقة الشعب في السلطة القضائية. ومن واجب رئيس القضاة في الهند أن يتصرف بطريقة شفافة وأن يعالج القضايا التي أثارها كبار القضاة. إن جميع هؤلاء القضاة يتمتعون بسمعة طيبة ونزاهة لا تشوبها شائبة. والآن، يتعين على كبير القضاة حل هذه المسألة قبل أن يتوسع الخلاف داخل السلطة القضائية ويفقد الشعب ثقته في النظام القضائي، الذي هو بالفعل واقع تحت ضغط بسبب طول الفترات التي تستغرقها القضايا في المحاكم.
وإذا لم يتم حل النزاع الحالي داخل السلطة القضائية، وإذا لم تتدخل الحكومة، فإن السلطة القضائية ستعرض نفسها للتدخل السياسي، وهو أمر ليس جيداً بالنسبة للدولة وقطعا بالنسبة للقضاء. وبالنسبة لأي ديمقراطية صحية، لابد من وجود قضاء مستقل ونابض بالحياة. لقد حققت الهند نمواً، وأصبحت تتمتع بسمعة طيبة بين الدول لأنها تؤمن بالديمقراطية الدستورية، وحافظت حتى الآن على جميع مؤسساتها. ويعد القضاء المستقل هو الجزء الأساسي من دستور البلاد. وحتى يظل القضاء حائزا على ثقة المواطن العادي، يتعين عليه أن يحل الأزمة الحالية، وإلا كما قال أحد القضاة «ستكون الديمقراطية الهندية تحت الحصار».
* نقلاً عن "الاتحاد"