كيف نُقنع (الآخر) بإسلامنا؟
قلت بإسلامنا لا الإسلام، لأنه ليس كل مسلم يمثل الإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه.
يعمل بعض المسلمين في ميدان الدعوة لدين الإسلام في العديد من قارات العالم. إما على شكل أفراد أو جماعات، وينطلق هؤلاء من عند أنفسهم، أو من مؤسسات ومراكز دينية غالباً ما تكون مدعومة من حكومات ومؤسسات خيرية. هذا عمل جليل دون شك إذا تم وفق ضوابط محددة، وتحت إشراف الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الدعاة.
قبل أسابيع مضت، تعرض داعيان سعوديان إلى اعتداء على حدود دولة إفريقية، فقتل أحدهما وأصيب الآخر. السؤال: من وجههما إلى الدعوة في هذه الأدغال الوثنية؟ هل هي جهة رسمية؟ أم أهلية؟ أم هما بادرا وانطلقا من نفسيهما دون توجيه وإشراف؟
على كل حال ليست هذه قضيتنا الآن. السؤال الأهم في مجال الدعوة للإسلام في هذا الوقت: كيف ندعو الآخرين.. من نصارى ويهود وبوذيين ووثنيين ولا دينيين إلى الإسلام ونحن على ما نحن عليه من فرقة وتناحر وقتل وتكفير وتدمير وتخريب لحضارتنا الإسلامية، ولحضارات الأمم التي ندعوها للدخول في ديننا؟
الدعاة الذين يصلون إلى دول إفريقيا وآسيا وقارات أخرى يظنون أنهم يخاطبون مجتمعات جاهلة معرفياً، لا تعرف أن هؤلاء الدعاة قادمون من بين مجتمعات إسلامية يكفر بعضها بعضًا، ويلعن بعضها بعضًا، ويقتل بعضها بعضًا، وكل فرقة ترى أنها وحدها ناجية، وبقية الفرق الإسلامية في النار، وأن أمم الأرض كافة بما فيها الدينية، مشركة وكافرة يحل قتلها وسبي نسائها وتخريب ديارها. لا يدري هؤلاء الدعاة أن العالم كله أصبح قرية واحدة معرفيًا، تفتح أبوابها ونوافذها على بعضها، وأن مشهد قتل مسلم واحد مخالف على يد قاعدي أو داعشي، يصل في ثوانٍ معدودة إلى أمم الأرض كافة، وتصل معه صورة نمطية عن إسلام مشوه يقدمه أهله في ديارهم، وحتى في دول أوروبا التي غزاها المهاجرون منهم فرارًا من ديارهم، فأكثروا الفساد في المجتمعات المضيفة لهم، حتى ضاقت بهم ذرعًا.
يخرج الدعاة المسلمون من مجتمعات إسلامية هي اليوم على مذاهب متعددة، وكل مذهب يعتبر الآخر( كافرًا) يحل قتله. من أراد دخول الإسلام من المسيحيين أو اليهود أو غيرهم فمن أي باب يدخله؟ من باب (السنة) يا ترى؟ أم من باب (الشيعة)؟ أم من أبواب المذاهب الأخرى؟ ويدخلها على دين داعش أو القاعدة أو حزب الله والحوثة؟! أي من هذه الفرق يضمن لهذا المسلم الجديد، العيش بأمن وسلام، دون تكفير وتفجير، ولا قتل أو سبي وعبودية؟
لا يوجد بلد عربي أو إسلامي إلا وفيه فتن وقتل وتشريد. المسلمون يتقاتلون فيما بينهم في كل مكان، ويذبح بعضهم بعضًا بطرق بشعة جداً. فكيف يقتنع غير المسلم بدخول الإسلام إذا وجد المسلم يقتل أخاه بسبب الدين نفسه، وهذه حالة لا توجد بين المسيحيين ولا اليهود.
عندما يرى سكان القرية العالمية مشهد مقاتل سوري وهو يقتل سوريا آخر، ثم يتناول قلبه ويأكله في مشهد فظيع، أو يقرأ إحصائيات دولية تشير إلى مقتل مئات آلاف المسلمين على أيدي إخوانهم في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها.. ما هو الانطباع الذي يترسخ عن هذا الدين الذي نتمثله ونقدمه بهذا السلوك الهمجي، وندعو العالم للدخول فيه؟!
قامت الدعوة المحمدية على السلام، واحترام حقوق الإنسان، وتحريره من عبودية الأوثان وعبودية أخيه الإنسان. حملت الدعوة الإسلامية منذ البدء؛ كافة إغراءات الحرية والعدل والخلاص من الظلم والجهل والفقر، لذلك تحول الناس إلى الدخول في هذا الدين الجديد، لكن اليوم عندما يدعو المسلمون غيرهم للدخول في الإسلام؛ فبماذا يغرونهم يا ترى؟ لنكن صادقين مع أنفسنا.. إن معظم دولنا وشعوبنا عربية وإسلامية؛ يعمها الفقر والجهل والظلم وانتهاكات حقوق الإنسان، وتفتقر للتنمية والقوة الاقتصادية، ولهذا تشهد اضطرابات وقلاقل كثيرة، ويسارع القادر من شبابها إلى الهجرة صوب دول تدار من مسيحيين ويهود، وهي دول كفر في خطابهم الديني الذي تربوا عليه. بينما هذه الدول ومجتمعاتها، تملك الكثير من مغريات الحياة، ما يدفع المسلمين للهجرة والعمل والعيش فيها، وهي التي تصنع للمسلمين ما يأكلون ويشربون ويلبسون، حتى ملابسهم الداخلية.
هذه قصة فريدة في تاريخ المسلمين، تروى عن حياة النبي العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وتجسد التسامح والسلام الذي هو روح الإسلام. كان له صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة جار يهودي. كان هذا الجار اليهودي يؤذيه ويلحق به الضرر، والنبي يصبر عليه ولا يرد الأذى بأذى مثله، وعندما مرض اليهودي زاره النبي، فخجل اليهودي من أخلاقه ودخل الاسلام! عندما نقرأ هذه القصة؛ نفهم أن تصرفات وأخلاق النبي محمد كانت هي المقياس الذي دفع اليهودي للإعجاب بالإسلام واعتناقه، قبل حتى أن يقرأ ما في القرآن الكريم من تعاليم وقيم ومثل. ماذا يقدم دعاة اليوم لإغراء غير المسلمين لكي يعجبوا بالإسلام ويدخلوا فيه؟ ألا يكفي أنهم يأتون من بيئات مكشوفة معروفة لكل العالم.. بيئات احتراب وتقاتل وجهل وفقر وظلم، ثم يزيد بعضهم بصلف وجهل وهو يخاطب الناس في بلدانهم؛ فيعمد إلى السخرية من أديانهم ومعتقداتهم، والحط من قيمهم، وتسفيه منجزاتهم الحضارية. ثم يرغب إليهم الدخول في دين الإسلام؛ بهذه العنجهية البغيضة، والفوقية العجيبة؟!
مما يؤثر عن الداعية العالمي (الشيخ أحمد ديدات) رحمه الله قوله: (أشرس أعداء الإسلام، هو مسلم جاهل، يتعصب لجهله. بأفعاله يشوه ويدمر صورة الإسلام، ويجعل العالم يظن أن هذا هو الإسلام).