حوار البرابرة
التنابز بين الشعوب وإطلاق التهم والعيوب ضد بعضها البعض ممارسة معروفة منذ القدم.
خاصة بين الشعوب أو القبائل المتجاورة والتي كثيرا ما يحدث بينها صدامات دامية نتيجة للجوار الجغرافي. فيكون التنابز والتهكم نوعا من أنواع الحرب المعنوية.
وقد تحدث تلك المهاترات والانتقاص من الآخر في الدولة الواحدة حين يسخر سكان شمال البلاد على أهل الجنوب.
وقد يضيق الأمر ليبلغ القرية الواحدة، حيث القاطنين في هذه الجهة يزكون أنفسهم ويحتقرون سكان الجهة الأخرى، كما يحدث ذلك في البوادي، حيث أهل الإبل يزدرون رعاة الغنم. فلا أحد سالم.
****
تبادلت البشرية هذه الاتهامات الجماعية منذ دهور دهيرة حتى تجذرت الصورة النمطية للآخر في الأذهان التي تعتقد ان (الاسكتلنديين بخلاء، والفرنسيين متغطرسين، وأن كل شخص ألماني صارم بالضرورة، والإيطاليون شعب مشغول بالكلام والهذر، وكل يهودي يتصف بالجشع وحب المال) وعودة خاطفة إلى ما قبل الميلاد نلاحظ ان اليونانيين كانوا يعتقدون ان سكان مقدونيا برابرة ومتخلفون (همج) وعندما تولى الاسكندر الأكبر (المقدوني)! حكم اليونان قاد حربها ضد الفرس (البرابرة أو الهمج المتخلفين)! فالكل يزعم النقاء ويلصق بالآخر أبشع الصفات.
****
نحن كذلك لسنا بمعزل عن هذه العادات أو الآفات البشرية. والعرب يتبادلون مثل هذه التنابزات. فهذا الشعب كسول، وذاك متخلف، وذياك حقود. وحتى في الدولة الواحدة تتراشق الفئات الاجتماعية والمذهبية بمثل هذه الاتهامات.
فهؤلاء أغبياء وأولئك ميزتهم الغدر، وهذه الجماعة معروفة بالكرم أو الجبن أو الشجاعة.
فسكان الجبال يرون سكان السهول صغارا كمثل النمال، وسكان السهول يرون ساكني الجبل صغارا كمثل الذبان. وما (النقائض) المعروفة في الشعر العربي الا سجل حافل بمثل هذه المهاترات بين البشر.
* نقلاً عن "الأنباء"