«مرآب أبدي» لآرمان: مقابر للاحتجاج أو زينة وحشية؟
عندما دخل «النحات» الفرنسي آرمان فرنانديز قاعة غاليري جون غيبسون النيويوركي ذات يوم من ربيع العام 1975 كان معروفاً مسبقاً بأن في عروضه الفنية شيئاً من الجنون والطرافة، هو الذي كان قد اشتهر قبل ذلك بعقد ونصف العقد من السنين بتجهيز أقامه في أحد غاليريات شارع الفنون الباريسية، وكان عبارة عن نشر كميات كبيرة من النفايات في الصالة الرئيسية بكل ما تعبق به من روائح. من هنا كان منتظراً منه في ذلك العرض النيويوركي أن يقدم مفاجأة ما. بيد أن لا أحد كان يتوقع أن تكون المفاجأة عرضاً على الشكل التالي: يدخل الحضور إلى قاعة فسيحة رُتّبت فيها غرفة أنيقة شديدة البورجوازية لامعة ونظيفة إلى حدٍ لا يصدق. بقي الحضور دقائق عديدة ينظرون إلى الغرفة بإعجاب دون أن يعرفوا ما الذي سوف يحدث بعد ذلك، أما ما سيحدث فكان في منتهى البساطة: حين بدا أن الحضور قد سئموا الانتظار والتوقع دخل الفنان وفي يده مطرقة وإزميل. ثم ومن دون مقدمات انهال على الأثاث ضرباً وتحطيماً، وهو في سورة غضب كان من الصعب تصوّر أنها لا تنمّ عن غضب حقيقيّ. وهو ظل يخبط ويحطم طوال عشرين دقيقة كاملة، بحيث تحولت الغرفة إلى ركام ليعلن الفنان إثر ذلك انتهاء العرض. طبعاً فُسّر ذلك العرض يومها، ولنتذكر هنا أننا كنا في العام 1975 الذي وصلت فيه الثورة على المجتمع الاستهلاكي إلى ذروتها، بأنه- أي العرض- يعبر عن تلك الثورة ضمن إطار الخط الذي كان المخرج الإيطالي مايكل آنجلو آنطونيوني قد صوره في المشهد الختامي لفيلمه الأميركي «زابريسكي بوينت». لكن الحقيقة كانت في مكان آخر.
الحقيقة التي لفت النقاد النظر إليها هي أن ذلك المشهد التدميري الذي أخرجه ومثّله آرمان، إنما كان جزءا من سيرته الذاتية. فهو في شبابه المبكر، وقبل أن يخوض ذلك النوع من الفن، كان يشتغل في صناعة المفروشات بل كان متخصصاً في المفروشات البورجوازية الراقية، من نفس نوعية تلك الغرفة التي حطمها. وبالتالي فإنه كان في ذلك العرض يقدم صورة من حياته وتفكيره المعادي للبورجوازية والنادم على مشاركته إياها في تأليه المجتمع الاستهلاكي. يمكن أن نقول إن ذلك كان من العروض النادرة التي ربطها آرمان بذاته، هو الذي كان في تلك الأثناء قد صنع لنفسه مكانة شديدة الخصوصية في عالم ذلك الفن الذي أطلق عليه هو بنفسه اسم «الفن التراكمي».
ويقوم الفن التراكمي في عرف آرمان على إقامة نوع من نصب ضخمة جداً في ميادين عامة أو في مواقع شديدة الخصوصية، تتألف من تراكم عمودي في معظم الأحيان، لمواد أو أغراض أو أجهزة معينة يُتوخى من جمعها معاً إقامة نوع من المقبرة لها ( مثلاً في ساحة وزارة الدفاع اللبنانية أقيم نصب بعد انتهاء الحرب الأهلية في هذا البلد أواخر سنوات الثمانين، تألف من مجموعة من الأسلحة الثقيلة والمدرعات والعربات العسكرية مدفونة بالباطون فوق بعضها البعض، كموقف مناهض لفكرة الحرب نفسها، وفي الساحة المتاخمة لواجهة «الغار دو نور» الباريسية أقام آرمان نصباً يتألف من عدد غير محدد من الساعات الجدارية الضخمة التي تنمّ عن توقف الوقت على الضد تماماً من مفهوم محطة القطار التي يكون الوقت مادتها الأولى). والحال أن هذا الإلحاح على فكرة التراكم والتكرار ودفن المواد المتراكمة في أطنان من الباطون، يشكل جوهر الموقف والرسالة اللذين يريد آرمان إيصالهما. ولكن السؤال يبقى: هل نجح في التعبير عن نفسه؟
هنا يعلو النقاش بين مناصرين للفنان ومناوئين له خاصة أن هؤلاء الأخيرين يقولون إن عمله، إن لم يصحبه شرح دائم وتعبئة متواصلة، لن يكون في نهاية الأمر أكثر من عمل تزييني لا يمكنه إيصال أية رسالة حقيقية. وهذا ما ينطبق في شكل خاص على الأشهر بين إنجازاته وهو «منحوتة» «مرآب أبدي» التي أقامها الفنان العام 1982 في منطقة جوي أون جوساس الفرنسية، والتي تزار اليوم بدافع الفضول والفرجة أكثر كثيراً مما تزار لاستلهامها في مواقف شعبية يُفترض أنها مناوئة لمجتمع الاستهلاك. بل أن ثمة من أهل تلك المنطقة من يطالب بإزالتها لأنها لا تبدو لهم أكثر من وحش من الباطون قد يمجّد العصر الاستهلاكي أكثر بكثير مما يندد به. وقد يقول قائل من أبناء المنطقة: ترى كيف يمكن أن يكون مناوئاً لعصر الاستهلاك الذي تمثله السيارة، عمل فني لا يمكن الوصول إليه وزيارته إلا باستخدام السيارة؟
وذلك بالتحديد وبدءا من الاسم لأن هذا النصب يتألف من عدد لا بأس به من السيارات من مختلف الأصناف والمقاسات روكمت هنا فوق بعضها البعض وإلى جانب بعضها البعض ليُصب فوقها أطنان من الباطون تمسك بها وتسجنها وتجعلها مدفونة إلى الأبد في ذلك «المرآب/ القبر». ويبلغ ارتفاع النصب أقل قليلاً من عشرين متراً وهو مربع القاعدة بمقاس ستة أمتار لكل ضلع من أضلاعها. ولقد استخدم آرمان لإنجاز العمل تسعة وخمسين سيارة من ماركات متنوعة ( بويك، سيتروين، رينو ) و1600 طن من الباطون. ولا بد أن نذكر هنا أن آرمان قدم، لتحقيق هذا المشروع، خصيصاً من الولايات المتحدة الأميركية حيث كان يعيش ويعمل منذ سنوات... لكنه حتى في أميركا بلد الضخامة والمشاريع العملاقة، لم يكن قد حدث له أن حقق مشروعاً له هذا الحجم. فهو قبل ذلك كان ينكب على تحقيق أعماله التراكمية باستخدام الساعات كما أشرنا أو ركوات القهوة أو المكاوي. حيث كان يختار دائماً أدوات وأجهزة من نوع واحد يلصقها إلى جانب بعضها البعض في تشكيلات متوسطة الحجم، أما هنا فها هو يخبط بضخامة. كما يخبط لمرة نادرة مستخدماً أشياء ملونة. فهو إن كان في إنجازاته السابقة قد غلب لديه استخدام مواد معدنية ما وحّد الألوان لديه وجعل استخدام الألوان المعدنية جزءاً من أسلوبه، فإنه في هذا النصب الذي اعتبره أغنية شيطانية لتمجيد عصر الاستهلاك أو التنديد به- والحالتان ممكنتان على أي حال-، ها هو هنا يجد نفسه «مجبراً» على استخدام عناصر تلوينية بل فاقعة في تلوينيتها وربما تبعا للسيارات التي توافرت له. ومن هنا بدلاً من أن يبدو النصب مقابرياً غامقاً كئيباً، بدا وكأنه صاخب يضج بالحيوية والفرح وربما «على صورة مهرج السيرك الذي في وقت نشاهده فيه مغلفاً بثيابه ذات الألوان الزاهية، قد يسهو عن بالنا أن حياته الداخلية قد تكون مبطنة بالبؤس والأسى».
بيد أن علينا الإقرار هنا بأن هذا كله ليس أكثر من فرضيات تخامر الذهن من خارج العمل المعروض نفسه. فهذا الأخير إن تعاملنا معه في ظاهره ومن خلال العناصر التي يبثها هذا الظاهر سنجدنا أمام ديكور ضخم يزين فسحة من الأرض وسط منطقة مشجرة رائعة الحسن. وبقي أن نذكر هنا أن النصب الذي كشف الستار عنه للمرة الأولى يوم 7 نوفمبر (نشرين الثاني 1982) كان من تمويل رجل أعمال وسمسار عقارات أبدى فخره بهذا الإنجاز في حفل الافتتاح معتبراً إياه مأثرة فنية وحضارية هائلة. بيد أن الفنان نفسه لم يكن أقل منه فخراً إذ قال: «لكم أن تتصوروا النشوة التي أشعر بها وأنا أقف في أعلى هذا النصب فأحسّني وكأنني واحد من بناة الإهرامات المصرية...»، وللمناسبة علق بعض الصحافة في ذلك اليوم قائلاً: إذا كانت مصر القديمة قد عرفت فراعنتها الكبار في الثلاثة الذين بنوا إهرامات الجيزة خوفو وخفرع ومنقرع، ها هي السيارة، هرم أزماننا هذه تجد فرعونها المعاصر من خلال هذا الإنجاز الكبير! ثم أوليست وظيفة المقبرة مشتركة بين المرآـب الأبدي والإهرامات المصرية؟
وآرمان كان يوم إنجاز هذا العمل الاستثنائي في الرابعة والخمسين من عمره فهو من مواليد العام 1928 في مدينة نيس التي بدأ فيها نشاطه الفني قبل أن توصله شهرته- وغرابته وغرابة أعماله- إلى العالم كله لا سيما إلى نيويورك التي اختارها مقراً شبه دائم له ومنطلقاً لغزو العالم هو الذي يقول دائماً إنه لم يكن هو من اختار أسلوب التراكم «بل التراكم هو الذي اختارني وحدد لي طريقي».
* نقلا عن "الحياة"