.
.
.
.

الذبابة وودورد

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

قبل أسابيع نشرت مساعدة في البيت الأبيض اسمها أوماروسا نيومان كتاباً عن ترمب عنونته بـ"المعتوه". امرأة سليطة اللسان شاركت في برنامج ترمب الشهير "المتدرب" ومن قصصها السيئة الكثيرة أنها عرضت على المذيع المعروف بيرس مورغان ليلة جنسية مقابل الفوز ببرنامج خاص بها. مدمنة تنصت، لم تترك حديثاً إلا وسجلته حتى مكالمة لها مع الرئيس الأميركي ولحظات طردها من عملها. أثار مؤلفها زوبعة صغيرة لم تدم لأيام على عكس كتاب مايكل وولف "نار وغضب". دخلنا قبل يومين جولة ملاكمة جديدة مع كتاب جديد بعنوان "الخوف" لبوب وودورد الصحافي المعروف ومفجر "ووترغيت" الخبطة الصحافية الأكبر في العقود الأخيرة.

الهدف أو الفكرة الأساسية من الكتاب لا تختلف عن الكتب السابقة وهي تصوير ترمب بالشخص غير السوي وكذلك الكشف عن الفوضى العارمة داخل البيت الأبيض وبشكل أوسع الجهاز التنفيذي. فقد نقل على ألسنة كبار المسؤولين أحاديث تقلل من مستوى ذكاء ترمب الذي لا يتجاوز ذكاء الطفل الصغير غير القادر على استيعاب القضايا المعقدة. وفِي موضع آخر ذكر أن الإدارة الحالية تعاني انهياراً عصبياً.وودورد صاحب خبرة طويلة وكتابه مختلف عن كتاب "الكلبة" أوماروسا، كما وصفها ترمب، أو مايكل وولف واسع الذمة، ولكن مع هذا لن يذهب بعيداً في تأثيره وسيكون مجرد لكمة خاطفة أخطأت رأس الرئيس. سيحقق هدفه المادي فقط ولن يوقع ترمب على ركبتيه كما يأمل. فالجمهور الذي يكره ترمب لن يرى في الأمر جديداً، فترمب بالنسبة له شخص مختل يأكل البيغ ماك بالشوكة والسكين ومحبوه سيرونه بطلاً مقداماً هز المؤسسات المتكلسة وتحدى طواويس النخبة في واشنطن ونيويورك.

مايكل وولف اعتمد على كلام هابط مثل أن ترمب يراود زوجات أصدقائه عن أنفسهن ولكن وودورد أذكى من أن ينزل لهذا المستوى. أراد تدمير ترمب وهو يرتدي القفازات، بدون أن تتسخ ملابسه. فقد ذكر أنصاف الحقائق وبنى عليها روايته. قال إن البيت الأبيض يعاني من الفوضى العارمة وهذا كان صحيحاً مع الأشهر الأولى. وصف الحال حينها بمكتب بيضاوي بباب دوار. كل أحد كان يدخل على الرئيس وفي أي وقت. ولكن كل مسببي الفوضى فصلوا أو قرروا المغادرة طوعاً لأسباب موضوعية. مستشار الأمن القومي مايكل فلن كذب وكان عليه الخروج. ستيف بانون شخصية صدامية وإيديولوجية أكثر مما يحتمل منصبه وأزيح. أنتوني سكاراموشي مدير الاتصالات شخصية ذكية ولكن هوجاء ومصابة بفرط الحركة. تسبب بفوضى عارمة وهاجم كبير الموظفين حينها رينس بريبوس في تقرير نشر في مجلة "النيويوكر". بعد أسبوعين فُصل من منصبه الجديد. بريبوس نفسه كان نجماً في الحملة الانتخابية وعبئاً بعدها. شخصية لزجة لم يستطع أن يضبط إيقاع الإدارة واستبدله ترمب بالجنرال جون كيلي الذي تمكن من ضبط العمل على الطريقة العسكرية ومن حينها والأمور مستقرة. إذن نصف كلام وود وورد صحيح ولكنه يصمت عن النصف الآخر وهذه مهارة يدركها الصحافيون المحترفون.

هل ترمب مجنون متفلت؟ هذه الحجة الثانية التي رددها كثيرون قبله وقالوا إنه سيشعل الحرب العالمية الثالثة. وود وورد لا يقول إنه مجنون ولكن يشير إلى أنه غير متزن وأرعن. ومن الواضح بعد عامين أن ترمب لن يدخل أي حرب، لا عالمية ولا إقليمية. فقد حاور كوريا الشمالية وخنق إيران وواجه الصين اقتصادياً بدون أن يطلق رصاصة واحدة. أما قصة اغتيال بشار الأسد فأمر يحسب له وليس عليه، خصوصاً ونحن نتكلم عن الديكتاتور الأكثر وضاعة في زمننا. وحتى منتقدوه لا يستطيعون إنكار أن ضربه الأسد مرتين كانا من أفضل قراراته. ويتحدث الكتاب عن أن المقربين منه يمنعونه عن اتخاذ قرارات هوجاء ومن يتابع عن قرب يرى أنه أغلب وعود ترمب التي ذكرها في الحملة الانتخابية طبقها، فأي قرارات منعوه منها؟! اقتصادياً ناجح داخلياً وفي السياسة الخارجية أكثر واقعية من نهج بوش المثالي ونهج أوباما السلبي. رغم كل الضجيج إلا أن قراراته ليست متسرعة. صحيح أن ترمب ينبح في تويتر ولكنه لا يعض في الواقع.

يضم الكتاب قصصاً من الصعب أن تبلع ويستند الكاتب على مصادر مجهولة كانت حاضرة وتنقل ما يدور في القاعات المغلقة والممرات. اعتماد أسلوب العنعنة الذي يشتهر به وودورد عيب معروف في كتاباته ويضعف مصداقيته. ينقل القصص بكل التفاصيل الدقيقة والهمسات الخافتة وكأنه ذبابة متلصصة تسللت إلى الغرفة بدون أن ينتبه لها أحد. وهذا الأسلوب معروف في الكتابة الصحافية ويعتمد على زيادة الملح والبهارات في الطبخة. ومن هذه القصص حديثه عن أن أحد المسؤولين هرع لمكتب ترمب وسحب منه ورقة كان يريد أن يوقّعها لتقويض العلاقة التجارية مع كوريا الجنوبية. سحبها في اللحظة الأخيرة ولم يلاحظ ترمب اختفاءها ونسي الموضوع برمته. الساذج فقط من يهز رأسه ويصدق هذه القصة، فلا يمكن أن ينتهي قرار كبير كهذا بمجرد إخفاء ورقة من أمام رئيس دولة. حتى متجر صغير لبيع ألعاب الأطفال يملك تنظيماً إدارياً أفضل وملفاً يحتفظ فيه بعقود البيع والشراء وليس البيت الأبيض.

ولكن ينقل الكتاب قصصاً يبدو أنها صحيحة عن ترمب وهي تتطابق مع شخصيته مثل سخريته من الشخصيات التي لا يستسيغها. يقول الكتاب إنه كان يزدري مستشار الأمن القومي السابق مكماستر ويقلد طريقة تنفسه المزعجة. وهذا ليس سراً فيقال إن ترمب أوقفه وهو في خضم عرض مفصل وخاطب الحاضرين: انظروا إلى الكلمات الكبيرة التي يرددها. ومن غير المستبعد أنه وصف بريبوس بالجرذ. وهجومه على المدعي العام جيف سيشن علني ومتكرر ولكنه نفى أنه وصفه بالأبله بسبب لكنته، لأنه لا يريد أن يُغضب قاعدته الجماهيرية المتركزة في الولايات الجنوبية.

ولكن كل هذه قصص للتسلية. الخلاصة: هل هو كتاب مثير ومشوق؟ طبعاً نعم؟ هل سيضر ترمب انتخابياً ويلطخ صورته أمام مؤيديه؟ بالتأكيد لا، هذا إذا لم يزد من رأسماله الجماهيري.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.