لماذا استقال الكلب المسعور؟

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في لقاء عقد مؤخراً مع الصحافيين بادرهم وزير الدفاع الأميركي المستقيل ماتيس بالقول: أنتم لستم أعداء الأميركيين. ملاطفة للإعلاميين ولكنها تتهكم بتصريحات رئيسه ترمب المتكررة ضد الصحافة المزيفة التي تناصبه العداء، كما يصفها. قبلها بأيام نكز ترمب ماتيس بحوار في برنامج 60 دقيقة عندما قال إنه ديمقراطي إلى حد ما. في ظل الحرب الحزبية الضارية هذه الأيام وَصْفُ الديمقراطي يعني المرجف والمتعاطف مع الأعداء. وبالفعل كانت تلك قبلة الموت التي انتهت بإعلان وزير الدفاع الأميركي استقالته من منصبه يوم أمس.

لكن العلاقة بينهما لم تتدهور إلا تدريجياً. وبسبب الخلافات الأيديولوجية وليس الطبائع الشخصية. على العكس من تيلرسون، وزير الخارجية السابق، الذي وصفه ترمب بالغبيّ والكسول، بدت علاقة ترمب مع ماتيس قوية وحيوية من اللقاء الأول الذي كان كفيلاً بمنحه المنصب الهام. وقد أعجب ترمب الذي لا يحب الإسهاب والكلام المتعجرف بعفوية ماتيس وذكائه الحاد، وكان ذلك كفيلاً بإقناعه حتى في أكثر القضايا تعقيداً مثل قضية تعذيب السجناء المتهمين بالإرهاب عبر آلية الإغراق لانتزاع الاعترافات منهم.

ترمب كان من المؤيدين لها، ولكن ماتيس قال له: لسنا بحاجتها، كل ما أحتاجه علب سجائر لجعل المتهم يكشف عن أسراره المكتومة، وبدل ترمب موقفه. من الصعب أن تقبل رأياً متسرعاً كهذا حول قضية شائكة إلا أن تكون مغموراً بالعاطفة تجاه قائله وهذا ما شعر به ترمب، الذي أعجبه أيضا أن يكون له وزير للدفاع لقبه "الكلب المسعور"، كلب حراسة شرس يحمي أميركا ومصالحها من المتطفلين والعابثين!

هذا الود الشخصي المتبادل ليس كافياً، إذا تباعدت الرؤى الفكرية بين الرئيس والوزير. فقد اختلف ماتيس مع رئيسه في محطات مهمة ليس آخرها الانسحاب الأميركي المفاجئ من سوريا، الذي عده وزير الدفاع - الذي يكره خيانة الأصدقاء (الأكراد) الذين وقف إلى جانبهم في ساحات الحروب - خطأ استراتيجياً. وكل المؤشرات لا تقدم أي تفسير لخروج ترمب السريع، إلا أنه بناه على أسباب داخلية فقط. إعادة الجنود الأميركيين سالمين إلى تراب الوطن بعد هزيمة داعش وعدم الدخول في أي حروب عبثية ولا تخدم المصلحة الأميركية، هو ما يهم الرئيس الأميركي الذي يفكر بشيء واحد الآن، وهو إعادة انتخابه فقط. هذا المهم، والباقي تفاصيل بما فيهم الأكراد أو الفلول الداعشية أو مصير الأسد.

ولكن إذا كان ماتيس محقاً في موقفه المعترض على الانسحاب من سوريا، فإنه قدم نصائح وتوصيات مشكوكاً بها. فقد كان معترضاً على تمزيق الاتفاقية النووية واتخذ موقفاً محابياً لصديقة رئيس الأمن القومي السابق، مكماستر، الذي نصح الرئيس بالتريث في تعديل الاتفاقية بدل شطبها. ويقال إن ماتيس تعنت وحاول ثني ترمب عن قراره ولم يتوقف إلا بعد غضب ترمب وطلب منه التوقف. ومن حسن الحظ أن ترمب لم يضعف أمام جاذبية وتاريخ ماتيس العسكري المهيب واتخذ القرار الصائب.

وعندما قرر ترمب ضرب الأسد في المرة الثانية، كان يريد توجيه ضربات قوية ومدمرة، ولكن ماتيس أقنعه بتوجيه ضربات منسقة مع الأوروبيين ومحددة. رغم أهميتها لردع الأسد إلا أنها اعتبرت محددة أكثر مما يجب وغير حازمة بما يكفي وتعرضت للتهكم على نطاق واسع. نجح ماتيس في التأثير على الرئيس الغرائزي وجعله يظهر بعزيمة ماكرونية مهزوزة.

والخلافات أيضا امتدت بين الرجلين فيما يتعلق بالعلاقة بالحلفاء الأوروبيين. بالملف الإيراني كان ماتيس أقرب إلى الأوروبيين من رئيسه، وحماس ترمب لجعل الأوربيين يدفعون المزيد من المال لميزانية الناتو قابله موقف مهادن من وزير دفاعه الذي يقول كلاماً مختلفاً. من المستبعد أن يقوم ترمب، أو رئيس أميركي، بهدم الحلف الأميركي عميق الجذور تاريخيا وسياسيا وثقافيا مع أوروبا. ذات الشيء ينطبق على المؤسسات الدولية التي يرى الرئيس الأميركي أنها لا تقوم بدورها وتحولت إلى أجهزة بيروقراطية عديمة الجدوى. يستخدم الرئيس الأميركي كلمات نارية في المحافل الدولية لإظهار هذا الموقف ويقوم ماتيس بعدها بصب ماء بارد لتبدو الصورة واضحة ومحرجة. الرئيس المجنون والوزير العاقل.

ومن الواضح أن فريق ترمب الجديد يعرف هذا جيدا، ويتفق مع رئيسه في المواقف الأيديولوجية والرؤية للعالم. فوزير الخارجية مايك بومبيو وبولتون يقفان بالصف خلف رئيسهما. موقف حازم ضد إيران وانتقاد للمؤسسات الدولية الضعيفة وانتقاد للدور الأوروبي السلبي في المحافظة على استقرار النظام الدولي.

ماتيس ظهر بالتدريج مختلفاً عن هذا الموقف الأساسي بشكل عام، ولكنه اتخذ الظرف الصحيح والمصيب فيه ليعلن انشقاقه.

لُبِّس ماتيس من الصحافة والتيارات الليبرالية اليسارية أدواراً مختلفة. صُوِّر بمظهر الرجل المتعقل الحكيم من أجل إظهار الرئيس وبقية أعضاء إدارته بالمتشددين المندفعين. هو المثقف ومدمن القراءة وسط الجهلة. وهو الشخصية الوطنية وسط الانتهازيين والمتواطئين مع الروس. وهو المترهب والكاهن وسط الرأسماليين والمتعطشين للمال والسلطة. وهو الأعزب بلا فضائح جنسية وسط المتزوجين المخادعين اللعوبين. وهو صمام الأمان الذي سيغرق المركب بدونه وسط الشخصيات المتهورة عديمة الخبرة. وكما نرى فإن الحديث عن استقالته في مواقع التواصل والصحافة مشبع بنبرة العزاء وشعور الانقباض قبل الموت الوشيك. كل هذا بالطبع غير صحيح ورغم موقف ماتيس الصحيح من سوريا إلا أن مواقف أخرى له جانبها الصواب، وقرار استقالته صحيح ومتوقع، لأنه خرج عن نهج الإدارة التي يضعها ويحدد معالمها الأساسية الرئيس. ومن الصائب استبداله بوزير يغني على نفس اللحن الذي كتبه قائد الفرقة. صحيح أن ماتيس شخصية كبيرة ومهمة ولكن الشخصيات الكبيرة ليست معصومة من الأخطاء وسوء التقدير.

بدا ماتيس في بعض الأوقات محملاً بتأنيب الضمير لخدمته في إدارة ترمب. وقد لمحت أسماك القرش الديمقراطية والصحافية المعادية هذه الدماء فاستغلت الموقف للانقضاض على الإدارة الحالية. مع كل موقف لا يعجبها تنطلق الهجمات ليس على ترمب فقط ولكن على ماتيس وتطالبه بالاستقالة بحجة أنه من يمنح الشرعية لهذا الرئيس. وفِي رسالة استقالته بدا أن ماتيس ابتلع الطعم وأراد أن يكفر عن ذنبه. افتقدت رسالته الحصافة المهنية ونسي متعمدا أن يشكر رئيسه الذي خدم تحت إدارته لعامين حتى لو اختلف معه. لم يذكره ولكن جعل ظلاله تنعكس على أوراق الاستقالة التي تنهي المسيرة العملية لرجل يوصف بالمقاتل العسكري الأسطوري ولكنه لم يرتح أبدا، كما قال أحد المعلقين، داخل بدلة الوزير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.