زمن أحلام القيصر وثورته

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

الدب الروسي أبداً لا يقيد، إنه يتحول إلى ثعلب صغير الحجم رشيق الحركة، قادر على أن يناور ويداور مع النسر الأميركي الشرس، وبالقدر نفسه يعد أوراقه لملاقاة التنين الصيني المتوحش، مهما بدا على السطح غير ذلك.

تخيم الغيوم على سماوات الكرملين، الحصن الروسي، مقر القياصرة منذ القرن الخامس عشر، وقد تتلبد السماوات وتكفهر الأجواء، لكن القيصر الساكنة أركانه لا يهتز له عود على وتر، إنه ثابت صلد كمثل أحجار السور الكبير المحيط بمقر إقامته.
خمسة قرون أو أزيد والحصن شامخ، ومنذ عقدين قدر له أن يدخله قيصر جديد، ليعيد أمجاد الدولة الكبرى التي كانت، قبل أن يسري في أوصالها فيروسي الجلاسنوست والبريسترويكا، ذلك الخطأ الذي لم يغفره ضابط الاستخبارات الروسي السابق للقاصي والداني، وكل من شارك في هدم الإمبراطورية السوفيتية، ويومها أقسم على أن يعيد أمجاد القيصرية مرة أخرى.

بوتين القارئ والمثقف له دالة على حركة التاريخ وعلامات الأحداث والأزمنة، وفي عقله الواعي والباطن يعيش رجال كثر لعبوا أدوارا مصيرية عبر التاريخ، رجال من نوعية ونستون تشرشل، وجملته المشهورة: "لا يمكنك أن تفاوض إلى مدى أبعد من ذلك الذي تصل إليه نيران مدافعك".

لم تكن رسالة القيصر الأخيرة إلى الجمعية الفيدرالية الروسية والتي هي أقرب إلى خطاب العرش في الدول الملكية، أو حالة الاتحاد عند غريمه الأمريكي الأكبر، سوى مانيفستو جديد، يعلن فيه عن رؤى بلاده وتوجهاتها، بالحديد والنار، بالصواريخ الفرط صوتية من جهة، والغواصات النووية المسيرة تحت مياه المحيطات بنحو كيلومتر من ناحية ثانية.

يؤمن القيصر بأن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ولا مجال للانتظار حتى يكمل العم سام برنامجه لعسكرة الفضاء، وبعدها يملي إرادته على القاصي والداني، ذلك لأنه ساعتها سيكون قد وفر لبلاده شبكة الليزر التي تحميه من صواريخ القيصر، ولهذا يجيء إعلانه عن تطوير الصاروخ "أفانغارد" الفرط صوتي، كفتح جديد يشبهه بإطلاق أول قمر اصطناعي إلى الفضاء.

صواريخ القيصر كبيض السيوف القاطعة تخترق طبقات الجو العليا وتسير على حافة مجال الجاذبية الأرضية، قبل أن تنقض على هدفها في نقطة بعينها حول الكرة الأرضية بسرعة 27 ماخ، وبرأس نووية تجعل أراضيه ومواقعه العسكرية أثرا بعد عين.

لا يكتفي القيصر بالفضاء، وهو الخبير كذلك على الأرض وحروبه البرية من الإمبراطور نابليون إلى الفوهور هتلر تشهد له، إذ يمضي إلى عمق أعماق البحار في الربيع القادم بواسطة غواصته النووية المسيرة، حاملة للصواريخ النووية، وبسرعة تبلغ نحو 110 عقدات.. إنها "بوسيدون" الخارقة الحارقة لو يعلمون، تلك التي سببت الرعب للناتو قبل أن تنطلق ولهذا أسموها "مركبة يوم القيامة"، لأنها باختصار غير مخل قادرة على الاقتراب من السواحل الأميركية دون اكتشافها، ويمكنها أن تتسبب في تسونامي مشع على ارتفاع 300 قدم.

القيصر ليس جورباتشوف، المتماهي مع رونالد ريجان أول الأمر، وجورج بوش الأب تاليا، إنه النسخة الأحدث من بطرس الأكبر، حتى وإن افتقد حضور كاترينا العظيمة إلى جواره.

يؤمن في قرارة نفسه بأن روسيا ليست التهديد الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، بل يبدي رغبة غالبا صادقة في أن بلاده تتطلع لأن تكون لها علاقات ودية مع واشنطن، لكن الأخيرة لا تؤمن بالنوايا الحسنة والطوايا الصالحة، إنها تفهم لغة البراغماتية غير المستنيرة، وأحادية التوجه العسكري، فلسفة الرجل الأبيض الذي يدعي دورا منحولا في دفع العالم نحو التحضر، وينسى أحيانا ويتناسى غالبا أنه أباد 140 مليون هندي أحمر ذات مرة.

لا مجال للعواطف في حسابات القيصر لا سيما تجاه الولايات المتحدة الأمريكية التي تبحث جديا فرض عقوبات جديدة، وتنسحب من اتفاقيات الصواريخ النووية وتعدل وتبدل الاتفاقات الأمنية كيفما تشاء.

لن ينتظر القيصر طويلا أن ينشر العم سام صواريخه على الحدود مع روسيا، بل سيبادر إلى الفعل عينه عبر خلفيات لوجستية ظنت واشنطن أنها تمتلكها، حتى وإن كلف الأمر "كوبا" جديدة معاصرة، قد لا تنتهي تجربتها بردا وسلاما كما جرى الأمر في ستينات القرن الماضي.

رسالة القيصر إلى سيد البيت الأبيض، حاكم الإمبراطورية الأمريكية المنفلتة والتعبير للمؤرخ الأمريكي الشهير "بول كيندي"، كانت كالتالي: "مضى زمن وهم تحقيق التفوق العسكري الأمريكي على روسيا"، وعلى الروس ألا يخفضوا البتة حدود نقاط الاسترشاد المحددة، بل يجب أن يمضوا بروسيا العظيمة إلى الأمام بزخم وسرعة كبيرين".

أحلام القيصر واسعة وخطوط طول وعرض ثورته مثيرة للتأمل ومدعاة للعجب، إنه يمسك بالأمل بأسنانه، ويدعو للعمل بكل قوة، ولا يستنكف يصارح شعبه بأكبر المخاوف المهددة لهم، وربما بأكثر من القوة الفضائية لصاحبها دونالد ترامب وشركائه، إنه الخوف من الانحدار الديموغرافي، ذاك الذي تفشى في أوروبا ويكاد يلحق بالروس من جراء نظرة أنانية لشباب فضل ألا يحمل مسؤولية، وأن لا ينجب أطفالا للغد.

قوة الروس العددية مسألة مقلقة للقيصر، ولهذا يعد بتخفيف الأعباء الضريبية على العائلات كلما زاد عدد أطفالهم، والعائلة التي يولد فيها طفل ثالث ستنال تعويضا قدره 450 ألف روبل كل عام، ناهيك عن مخصصات الأمومة ذلك الدعم الحكومي المعروف.. الأسرة الروسية عند القيصر هي رمانة الميزان في الحال والاستقبال.

القيصر لماذا هو محبوب ومرغوب من الروس رغم كافة الأخطاء التي من الطبيعي أن تواكب مسيرة أي قائد وزعيم خلال حراكه، لا سيما إذا كان منوط به دولة بحجم روسيا العظمى؟

واقع الأمر أنه عرف جيدا كيف يسترد كرامة بلاده في مواجهة الفوقية الإمبريالية الغربية، عطفا على أنه تجاوز المسألة الشعاراتية إلى الواقع على الأرض محولا إياه إلى قصة نجاح غير عادية.

حين استلم القيصر زمام الأمور في العام 2000 كان نحو 40 مليون روسي يعيشون تحت خط الفقر... الآن تراجع الرقم إلى 19 مليون بانخفاض قدره 40%، وذلك عبر نمو حقيقي وليس وهمي يبلغ نحو 3% سنويا.

نجح القيصر في تجاوز إشكالية التعايش الإنساني الواحد في روسيا، فقد بقيت الكنيسة الارثوذكسية حصنا حمى القيم الروسية التقليدية، وفي الوقت نفسه كان الرجل يفتتح منذ بضع سنوات أكبر مسجد للمسلمين الروس والذين يعدون نحو 20 مليون تقريبا، يعيشون حياتهم دون خلط للأوراق بل في سياقات المواطنة.

يبدو القيصر في خطابه الأخير كالقابض على جمر الملفات الروسية الملتهبة: الإسكان، الطبابة، المشروعات التنموية، الفضاء، التنمية الداخلية، التكنولوجيا، البيئة التحتية، وغيرها الكثير.

أفضل ما يزخم أحلام القيصر بوتين وثورته المخملية قدرته على تقوية النسيج الاجتماعي الداخلي الروسي وتمتينه في مواجهة الخارج، وهذا نجاح يحسب له، وهو يضع لبنات روسيا الجديدة.

ثورة القيصر تعي تمام الوعي أن كل إنجاز عظيم هو حلم قبل أن يتحول إلى واقع ... إنه زمن أحلام القيصر وثورته.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط