خطة غراهام.. صقور ضد الملالي

إميل أمين
إميل أمين -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

بين المطرقة والسندان تصحو طهران وتنام، بين العقوبات الاقتصادية التي تتوالى على أم رأسها، وآخرها تلك التي فرضت على وزير خارجيتها، جواد ظريف، صاحب الابتسامة الباهتة التي تحمل من ورائها مكر السنين، وبين الخطط التي توضع وراء الكواليس لإخضاعها قسرا مهما طال الوقت.
في الخفاء تدور المعارك ما بين طهران وواشنطن، بعضها تصل أخباره إلى مسامع العامة، فيما البعض الآخر مغرق في السرية، ولا يعلن عنه إلا حين تقتضي الحاجة أميركيا إلى كسب زخم من قبل الرأي العام الأميركي في الداخل أولا، وتاليا حين يتوجب بعث رسالة إلى الحلفاء الأوروبيين على الجانب الآخر من الأطلسي.

لم يكن العالم على دراية بأن الرئيس ترمب قد كلف السيناتور الجمهوري "راند بول" بلقاء ظريف خلال زيارته الاخيرة إلى نيويورك، وقد بدا واضحا أن اللقاء قد فشل وتحطمت مجاديف الحوار على صخرة الغطرسة الإيرانية التقليدية، تلك التي تصعد من مواقفها يوما تلو الآخر، تجاه العم سام، والذي لم يعد يقبل بأقل من شروط بومبيو الاثني عشر.

يمكننا الآن أن ندرك لماذا العقوبات على ظريف، الذي يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كالثعلب، فهو ليس أكثر من جناح ضمن أجنحة الدهاء الإيراني، والذي يشاغل وسائل الإعلام الغربية، عله يجد مربعات نفوذ من قبل الديمقراطيين أو اليساريين الكارهين للرئيس ترمب مجانا، والساعين إلى إبطال جولته لإدارة رئاسية ثانية.

لم يكن ساكن البيت الأبيض غافلاً عن الردات المتوقعة من قبل ظريف، الرجل الذي لا يمتلك ناصية القرار من قريب أو بعيد، وما العقوبات التي فرضت عليه إلا برقية لمرشد الثورة مفادها أنت المطلوب منك وعلى حسب تعبيرك أنت من سيتوجب عليه أن يشرب كأس السم، ذلك القدر المقدور في الزمن المنظور لثورتكم، بالضبط كما فعل الخميني في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم.

في هدوء وتؤدة، في الحال، وإبعاد خطة لها ملامح العاصفة التي تقتلع في الاستقبال، تكشف لنا وسائل الإعلام الأميركية عن تدابير أميركية تضع إيران قسرا لا طوعا أمام خطة جديدة لاتفاق نووي مغاير وبديل عن اتفاق أوباما 2015 سيئ السمعة والسؤال برقبة من معقودة مسودة الاتفاق؟
من سوء حظ الملالي أن القائم عليها أحد أخطر صقور المحافظين الأميركيين، السيناتور الجمهوري "ليندسي غراهام"، رئيس لجنة القضاء في مجلس الشيوخ، والمعروف بشهوات قلبه ضد إيران، وتطلعه لعمل عسكري يعيدها إلى العصور الوسطى لو أمكن.

الخطة التي يحيك غراهام خيوطها ستكون بمثابة "تغريدة البجعة الإيرانية"، إن جاز التعبير في حال قبولها، ولهذا فإن احتمالات رفضها تكاد تكون بالمطلق... ما الذي تحتويه؟

بداية الخطة ليست طرحا أميركيا شوفينيا خالصا، بل إنها تستعين بأفكار من جهات خارجية، بما في ذلك مسؤولون أجانب، ما يعني أن حلفاء واشنطن حول العالم، وفي منطقة الخليج العربي سيكون لهم دور الناصح الامين، ولن يبخل أحد بخبرته على القائمين عليها، مما يوفر لها زخما ودعما دوليا وإقليميا، الأمر الذي لم يتوافر بالمرة في اتفاق أوباما، والذي لم يعر اهتماما يذكر بحلفاء واشنطن من الجانب العربي تحديدا.

يتطلع غراهام في خطوط طول خطته الجديدة من الرئيس الأميركي أن يطالب الإيرانيين على هامش الرؤية الجديدة بالتوقيع على ما يعرف باتفاقية "123"، تلك التي تلزم الدول التي تعقد صفقات نووية مع الولايات المتحدة التوقيع على معايير حظر الانتشار النووي، تلك التي وقعت عليها من قبل أربعين دولة، ما يعني المزيد من القيود على الملالي، ما يقلص هامش مناورتهم في الحال والاستقبال.

أما خطوط العرض عند غراهام والذي يعمل هذه المرة كحلقة وصل مع بقية الإدارات الأميركية الأخرى، وبنوع خاص الخارجية والدفاع والوكالات الحكومية الأخرى التي تدير العلاقات الدقيقة بين واشنطن وطهران، وفي سويداء القلب منها ولاشك مجمع الاستخبارات سواء الخارجية او استخبارات الدفاع، نقول انها خطوط لا تتوقف عند اشكالية البرنامج النووي فحسب، بل تطال النقاط الساخنة الملتهبة التي تغاضي عنها باراك أوباما، ومنها الدور الهدام الذي تلعبه طهران على صعيد الاستقرار في المنطقة، وأياديها الميليشياوية وأذرع حروب الوكالة في بعض الدول، عطفا على برنامجها الصاروخي الذي بات خطرا قاتلا محدقا بالقاصي والداني، ومن وراء الستار برامجها للحروب السيبرانية، والقائمة وضحها الوزير بومبيو، رجل السياسة الخارجية، القادم من دهاليز الاستخبارات الأميركية، ما يعني أنه مزدوج الروح، يفكر بعقل الدبلوماسي وينفذ بحرفية ضابط العمليات.

لا تقتصر القارعة المنتظرة إيران على ناصية الطرقات عما قريب على ما تقدم، إذ تكاد خطة غراهام أن تضيف بندا لم يكن موجودا من قبل، ولن يجرؤ غير ترمب وإدارته على إضافته، المعروف ب" المعيار الذهبي"، وهو بحسب الكثير من وسائل الإعلام الأميركية يعني عدم تخصيب اليورانيوم بالمرة ولا إعادة معالجته، ما يعني أن إيران عليها أن تنسى لا أحلام امتلاك القنبلة النووية، بل وقف وتعطيل كافة برامجها النووية التي تدعي أنها سلمية، ومن أجل الحصول على الطاقة اللازمة لصناعاتها، وهي ذريعة منحولة لأن القاصي والداني يعلم أن ما لديها من غاز ونفط يكفي لعقود طوال.

علامتي استفهام في الاستطراد.. هل يمكن لإيران أن تقبل بهذه الخطة اولا، وتاليا ما الذي يبغيه غراهام من خطته التي تبدو عبثية بالنسبة للملالي؟
حكما بات الإيرانيون اليوم أبعد ما يكونوا عن لحظات الاتفاق حول استئناف المفاوضات، وما أفشل لقاء ظريف مع راند بول، هو أن الأول طلب كما العادة رفع بعض من العقوبات كعربون لبناء ثقة تسمح بالتفاوض تاليا، الأمر الذي تنبه له المفاوض الأميركي المحنك والعالم ببواطن وتوجهات التقية الإيرانية في الحل والترحال.

كما أن رفض المفاوضات يتعزز بعد انتصار تيار جون بولتون الذي أجبر بومبيو بحسب بعض المصادر الأميركية وثيقة ولصيقة الصلة بإدارة ترمب على فرض العقوبات على ظريف.

الشطر الثاني من السؤال لماذا يفعل غراهام هكذا فمرده أنه يريد أن يستمع إلى الرفض الإيراني عاليا ومدويا امام العالم كله وبخاصة تجاه الحلفاء الأوروبيين المتخاذلين، أي أنه يدفع الإيرانيين إلى المزيد مما يمكننا أن نسميه التهور الاستراتيجي، ذاك الذي يجعلهم يرتكبون المزيد من الأخطاء القاتلة التي تحكم الحبل من حول رقابهم.

والشاهد أنه حال وضع خطة غراهام بجانب التحركات التي تجري لإرسال المزيد من القطع العسكرية إلى مياه الخليج لتأمين سير ناقلات النفط، وحال تنفيذ إيران مزيد من تهديداتها الخاصة بالتحلل من بنود الاتفاق النووي، فإن الملالي سيضحون بمثابة الغريق الذي لم يعد يخشى البلل، وهنا يمكن للقارعة أن تطبق على الرقاب، بعد أن يكون العالم برمته شرقا وغربا، وبخاصة إذا كان الخيار شمشون هو طريقهم، وأغلب الظن أن ذلك يمكن أن يكون كذلك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

الأكثر قراءة

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط