التاريخ السياسي السري

عمار علي حسن
عمار علي حسن
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تطالعنا دوماً عبارة أو اصطلاح «التاريخ السري» في كثير من الكتب التي يزعم مؤلفوها أن ما بحوزتهم لم يُكشف النقاب عنه بعد، وأنهم وحدهم الذين بوسعهم أن يضيئوا المساحات المظلمة، المتوارية عمدًا، أو جهلًا، أو المسكوت عنها والفارغة من التاريخ، بفعل أغراض وأسباب شتى.
بعض هؤلاء يكونون من الأدعياء، الذين يريدون لفت الانتباه إلى ما بحوزتهم، حتى لو لم يكن أصيلاً ذا قيمة، وبعضهم لديهم بعض الحق لأنهم مغبوبون مما تم تقديمه من تاريخ، على أنه الحقيقة الموثقة أو المطلقة أو الوحيدة، مع أن القاعدة الذهبية تقول «التاريخ اختيار»، أو وجهات نظر.
ربما يقصد الجادون بتعبير «التاريخ السري» أحياناً أن يكشفوا ويحددوا المسكوت عنه في التاريخ، أو ما جرى في الدهاليز، وفي الكواليس، وأثر في القرارات، وجعل الأحداث تجري على النحو الذي ظهر إلى العلن وتحقق. وربما يقصدون الجانب المخفي عمدا من التاريخ، وهي مسألة ليست مستبعدة في ظل صراع المصالح والإرادات، الذي لا يتم فقط في عالم الموجودات المادية والقرار، إنما يمتد بالقطع إلى التنافس الضاري حول احتكار الكلمة والصورة، ومن ثم الأحكام التاريخية، فيما بعد، لاسيما إن كان من في السلطة لديهم قدرة على التحكم فيما يبقى لتقييمهم من بعد.
فواحد من كبار دراسي التاريخ وواضعي فلسفته وهو«ر. ج. كولنجوود» يقول عن طريقة التاريخ، أو منهاج البحث فيه، إنها «تقوم على تفسير الوثائق التاريخية، وهي عبارة تقصد بها اسم (الجمع) الذي يشير إلى كل وثيقة على حدة، والوثيقة هي الشيء الموجود في زمان ومكان معينين، وهي شيء له طابعه الخاص الذي يحمل المؤرخ على التفكير فيه تفكيراً يستعين به على الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بأحداث الماضي. وهنا أيضاً نجد كثيراً من الأسئلة العسيرة التي تتعلق بخصائص هذه الوثائق، والسبيل إلى تفسيرها».
وإذا كان هذا يتم في ظل وجود وثائق دامغة، فما الحال إن لم تكن الاجتماعات واللقاءات الرسمية توثق على نحو دقيق، وإن وثّقت فإن الوثائق تبقى بحوزة السلطة، وبوسعها أن تخفيها، أو تبددها، أو تحفظها في مكان خارج الأماكن الرسمية الطبيعية، التي يجب أن تستقر فيها، ويكون بوسع أي باحث أو مؤرخ أن يطلع عليها فيما بعد. وفي دول العالم الثالث هناك سلطات تمنح كتاب ومؤرخين موالين لها وثائق الدولة، فيكتبون ما يروق لهم، وفق بعضها، حاملا ًدفاعاً عن أهل الحكم والنفوذ، ويستشهدون على ما كتبوه ببعض الوثائق التي تعزز وجهات نظرهم، ويخفون تلك التي يمكن أن تبرهن على عكس ما ذهبوا إليه.
والمثل الصارخ الذي يضرب في هذا المضمار هو الكاتب محمد حسنين هيكل، الذي ارتبط بنظام الرئيس جمال عبد الناصر، وظل يدافع عنه في كتبه المتوالية حتى مماته، ويهاجم الرئيس أنور السادات، الذي تعامل معه على أنه خصم لعبد الناصر، بل خصم للكاتب نفسه، الذي طالما كان يتباهى بأن لديه الكثير من الوثائق التي يحتفظ بها في بيته، وأحيانا كان يقال إنه قد احتفظ بها في مكان بلندن، ليظل هذا الجدل قائما دون حسم إلى أن وافته المنية في فبراير من عام 2016، دون أن يُسأل عن مدى عدم مشروعية احتفاظه بوثائق هي ملك الدولة المصرية، وعما إذا كانت الوثائق التي بحوزته هي الأصلية أم صور منها؟
إن هذا في مجمله يبين أن هناك فراغات أو فجوات في التاريخ، تحاول أن تردمه المخيلات بما تطلقه من تكهنات وشائعات وأباطيل وأحكام جزافية وصور متضاربة وتصورات عائمة هائمة، لكن من الصعب أن تتم عملية الترميم هذه بقوة واقتدار واكتمال يجعل اللاحقين قادرين على معرفة الماضي، الذي يتحكم بعضه في الحاضر ويؤثر في المستقبل، بشكل تام.
وتجعل هذه الفراغات، التي تتسع في ظل التعتيم والغموض المقصود، كثيرا من الناس غير قادرين على ربط ما يدور من أحداث ووقائع تجري أمام أعينهم، ويصل صوتها إلى أسماعهم، بمراحل مضت حافلة بقرارات وتصرفات وإجراءات، لا يمكن أن يكون ما يعاينوه مقطوع الصلة بها.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.