جدّة.. في زمن تيك توك!
عندما تَغرّب إبنها قبل عقود، لم تقرأ منه سوى رسائل مكتوبة بين الفينة والآخرى.. أو تنتظر سماع صوته في مكالمة هاتفية على الهاتف الأرضي في وسط الليل أو بعده مع فرق التوقيت.
صوتٌ خافت لجدة اعتدنا على هدوئها نهاراً وليلاً.. إلا أنها تتحوّل بطاقتها الصوتية عندما يرنّ الهاتف وتلتقطه فيكون إبنها في الجانب الآخر من الكرة الأرضية يندهها بـ"صوت متقطّع" باتت معتادة عليه .. فهو صوتُ ضناها الذي ترد عليه بصخبٍ ونبرة عالية وكأنها تعبّر فيها عن اشتياقها لتختصر المسافة البعيدة بصوت جهوري وبعينين دامعتين.
مع الثورة التكنولوجية نهاية التسيعنيات وبدايات الألفية الثالثة بات صوت ابنها أقرب واتصالاته متكررة لا تربطها بسلك وهاتف في آخر الليل منتظرة "رنة هاتف".. في ذاك اليوم قبل سنوات قليلة عادت الدموع إلى عينيها.. دموع الفرح بمواكبة ولادة حفيدتها التي رأتها بالصوت والصورة بعكس ما اعتقدته يوماً.. وتحقق حلمها بأنّها سترى أحفادها رغم غربة ضناها. حققت الثورة التكنولوجية حلم جدّة لم يكن في الحسبان. هكذا دخل جيل كامل على خط التقنية والاتصال والتواصل.. وصولاً إلى زمن TIK TOK .
هذه الجدة، عاشت على التباعد الجسدي قبل أي منا، لكنّ مواكبتها للتقنيات تلك لا تزال مصدر إلهام وتعجّب في آن. اليوم، اعتلى تيك توك عرش التطبيقات في زمن كورونا وأصبح أكثر منصات التواصل شعبية في دول عربية وفي العالم أجمع، بل أصبح الشبكة الناطقة للفئة الحاضرة افتراضياً وأخرى لطبقات مهمّشة اجتماعيا برزت في عام العزلة والحظر.
من اللافت أيضاً في هذا التطبيق بروز فئات عمرية تتجاوز الخمسين والستين عاماً وصولا حتى العقد الثامن ! ما أن تتابع تظهر لك الأم والجدّة والحفيد مجتمعين في فيديوهات يستحضرون فيك نوستالجيا الوطن والبيت في كنف البيت الأول قبل كورونا وخلاله وبعده.
توظيفُ العزلة للتقارب عن قصد أو بدونه خلق حالة من التأثير للمتصفّح. ونتساءل لدى متابعتنا لتيك توك حول السرّ الذي جذب الأهل وكبار السن فيما هذه التطبيقات كانت مقتصرة على الشباب حينها.. فأصبح التطبيق ذاك يُعنى أيضاً بتقديم معلومات عامة وحزازير رمضانية بنكهة "تيكتوكية" ووصفات طبخ لموائد الإفطار .
كلّ هذا بأسلوب سهل ممتنع وانسيابية لا تملّق فيها. لا نروّج هنا للتطبيق بل نبحث في ما يلفت حقيقة بجيل الهواتف السلكية يَظهر اليوم في فيديوهات تيك توك.
هو جيلُ تلك الجدّة الذي عاش التباعد الجسدي عن ضناها وبقي شعورها قريباً لا يفارقها، كما واكبت الثورة التكنولوجية ونجحت بحضورها في هذه التطبيقات بزرع التقارب الاجتماعي في زمن التباعد الجسدي