.
.
.
.

في صحبة الحلفاء.. وتكاليفها

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

أشرت في الأسبوع الماضي في جولة داخل متحف الغزو عن بروز الكويت الجديدة New Kuwait المتحصنة بالواقعية، الواعية لمعاناة الدولة المثيرة للأطماع، التي هب المجتمع العالمي لتحريرها من قبضة الحقير صدام حسين، والمدركة بأن زمن الهبات العالمية غير مضمون، والتي تعلمت من إهانات الغزو ومن عذاب شعبها ومن تشرده في زوايا الكرة الأرضية، وفي هذا المقال أود تسليط الضوء على محتويات التبدل في مفاهيم الكويت، وفي دبلوماسيتها، وبعض الشيء عن فواتير التغيير وأوجاعه.ويتم هذا المنحى الجديد في دبلوماسية المصالح والوقائع، مع تولي سمو الشيخ صباح الخالد كرئيس للوزراء يدير المجرى الجديد، ويعرف سمو الشيخ الخالد بأن الممرات تغيرت، فقد كان طريق الغزو عام 1990 سهلاً لأننا لم نبن المصدات التي تعيقه، ولم نُشهر أمام الغزاة خريطة مكتوباً عليها التكلفة المدمرة لمن يفكر بالتعرّض لدولة الكويت. وقد بادرت القيادة الكويتية بالتوقيع على اتفاقيات أمنية دفاعية في إطار الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا، وترجمت تلك المبادرة بوجود القاعدة الأميركية في الجنوب، وترتيبات خاصة مع وزارة الدفاع البريطانية. وهذه التعاقدات لم تأت من جمعية خيرية، وإنما من دول نرتبط معها في علاقات تاريخية، مثل بريطانيا التي لها خبرة في واقع الخليج وتتفهم هذا الواقع في إيجابياته وفي سلبياته، وتأخذ في الاعتبار الحساسيات الداخلية لهذه الأنظمة وتعلقها المفرط بالسيادة وبنظامها السياسي التاريخي وبسلامة حدودها.. ومع الولايات المتحدة التي لها خريطة مصالح عالمية منتشرة في أرجاء هذا الكون، ولها دبلوماسية كونية تسعى لإنجاحها، وعليها مسؤوليات - وفق ميثاق الأمم المتحدة - لتأمين السلم والأمن الدوليين، ولها مجلس شيوخ ومجلس نواب، وصحافة فاعلة ورأي عام وأحزاب تتصارع، أهمها الجمهوري والديموقراطي، وأهم من ذلك لها دستور يصون الحرية ويحترم حقوق الإنسان ويتبنى القيم الإنسانية العالية في كل المسارات. تسيدت هذه القيم دبلوماسية الولايات المتحدة منذ الرئيس ويلسون، وتجلت في مؤتمر فرساي للسلام عام 1919، وتجسدت في الأربعة عشر مبدأً للرئيس ويلسون، حرية الإنسان وتقرير المصير للشعوب، ومنظمة عالمية تصون السلام (عصبة الأمم) بدلاً من سباق التسلح. وتحدث الرئيس ويلسون في باريس عن الخصوصية الأميركية American Exceptionalism، التي يريد الرئيس ويلسون وجودها في دبلوماسية التحالف في باريس، وأصبحت مع الممارسة أهم عناصر الترابط مع أميركا وأبرز العلامات التي تدخل دبلوماسية الدول التي ترتبط معها في تحالفات.. وأين تقف الكويت من هذه اللائحة التي تنادي بها واشنطن؟ أولا: تتمتع الكويت بالاعتماد على دستور يتضمن المبادئ العالمية التي تتحدث عنها الولايات المتحدة كخصائص تدعو لوجودها في دبلوماسية التحالف، وتعكس هذه المبادئ التزام الكويت، نظاماً وشعباً بها، والإيمان بمعانيها، والانسجام مع أهدافها، ولم تتجه مبايعة الأمم المتحدة لسمو أمير الكويت كزعيم للإنسانية من فراغ، وإنما باستحقاقات في مساندة قيم إنسانية عالمية. كما أن مجتمع الكويت منفتح، بصحافة حرة، مع هيئات مختلفة، تعكس نشاطات المجتمع المدني الكويتي لقيم نبيلة في دستور أميركا، لها مقام خاص في دستور الكويت. ثانياً: هناك تلاقي مصالح مع بريطانيا والولايات المتحدة في تأمين الاستقرار في المنطقة، والسعي لإزالة منابع التوتر بالوسائل السلمية، ووفق ميثاق الأمم المتحدة، مع احترام سيادة الدول، وسلامة أراضيها واحترام إرادة شعوبها، وتشجيعها نحو الانفتاح الإنساني، وتأكيد منظومة الحكم الصالح، والتوجه نحو التنمية والتطور في دبلوماسية تؤمن بالحوار، وتحترم حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.. ثالثاً: هناك مصالح ثنائية بين الكويت والولايات المتحدة وبريطانيا، في التجارة والاستثمار والتنمية وفي تأمين ما تحتاجه الكويت من تكنولوجيا، ومن آليات التقدم، مع اتساع في الجوانب التعليمية والثقافية والاقتصادية، فضلاً عن التشابك الإستراتيجي العالمي الهادف لتحقيق أمن واستقرار شامل. رابعاً: هناك حالة لا بد من الإشارة إليها، وهي من مستلزمات الصداقة الإستراتيجية، فالولايات المتحدة لها مصالح إقليمية ولها دبلوماسية تحمي هذه المصالح، ومن الطبيعي أن تساند الكويت دبلوماسية الولايات المتحدة في سعيها لتحقيق أهدافها الكونية الواسعة، بالقدر الممكن. أتذكر أيامنا، في مجلس الأمن، كنا أصدقاء مع الوفد الأميركي لكننا نعترض وبصوت مرتفع على دبلوماسية واشنطن تجاه الشرق الأوسط، وكنا في موقف خارج لائحة المضمونين التي تعتمد الولايات المتحدة على تصويتها، رغم حجم التعاون بين الوفد الكويتي والأميركي خلال عضوية الكويت في مجلس الأمن 1978 - 1979. وأجزم بأن الشيخ د. أحمد ناصر المحمد الصباح، على إدراك تام بالمنحى الذي تسير عليه دبلوماسية الكويت، وفق منطق الضرورات. خامساً: يدرك سمو الرئيس الشيخ صباح الخالد، والدكتور أحمد الناصر، وزير الخارجية، ضرورات الحوار مع الولايات المتحدة وبريطانيا، على أن يتسع هذا الحوار للنشاط الشعبي الثقافي والفكري في تكثيف التواصل مع المسؤولين ومع الرأي العام، لا سيما في واشنطن ونيويورك، بالوصول إلى مجلس الشيوخ والبرلمان ومراكز الفكر والتحليل. نحن في الكويت أقل دول الخليج وجوداً في واشنطن، لا بد من تعزيز الدبلوماسية الكويتية بجسور تأخذ غرف التجارة ورجال الإعلام والثقافة وحاملي ملفات التحليل والفكر إلى واشنطن، هناك شيء من التقصير في حيوية الوجود.. تجربتي مع جمعية الصداقة الكويتية - البريطانية، كشفت التقصير مع بريطانيا في الجانب الأهلي الشعبي، ورغم جهود السفير خالد الدويسان، عميد السلك الدبلوماسي، فإن الحاجة إلى الانتشار في توفير مطبوعات، ووجود القادرين، لتقديم حقائق الكويت في الجامعات والمنتديات.. وتتصاعد الحاجة أكثر إلحاحاً مع واشنطن. سادساً: ومن أهم آليات التنوير الكويتي تتمثل في الدبلوماسية البرلمانية التي أبدع الرئيس مرزوق الغانم في حملها، والتي تحمل محتويات الجمال والتنوير في الكويت، في ترجمة حقيقية للمعاني التي يضمها الدستور. يقول الأصدقاء من أميركيين وغيرهم، أن الكويت تملك الكثير مما تفخر به، لكنها لا تجتهد في توظيفه، كما أن هناك شعورا في واشنطن لغياب الكويت عن مطابخ الدبلوماسية الأميركية في واشنطن. سابعاً: لا يمكن أن تقتنع دبلوماسية الكويت ما بعد الغزو بواقع الجامعة العربية الحالي، فلا يمكن قبول استمرار النظام الذي تحطم في العاشر من أغسطس 1990، بانقسام الدول الأعضاء في تباينات مواقفها من الغزو، لأن الأنظمة التي كانت موجودة في ذلك الوقت ولم تدن الغزو، فقدت ثقة الكويت بها، ولحسن الحظ معظمها جرفه طوفان الوعي العربي الربيعي، ومن تبقى يظل في حيرة التبرير. لماذا لا تستلهم الدول العربية قاعدة أفريقيا في رفض أي نظام يأتي بانقلابات عسكرية أو يمارس نهج التنكيل لشعبه، أو يشجع الإرهاب أو من يتبنى دبلوماسية عدوانية ضد أحد الدول الأعضاء؟ وتجمد عضويته إلى أن يستجيب لشروط العقلانية والتعايش. كان وجود نظام صدام حسين في الجامعة بعد الغزو، فصل عار، دمر مصداقية الجامعة. الواجب أن تتحرك الكويت بالتعاون مع دول مجلس التعاون لإخراج الجامعة من قاع الشلل الذي توجد فيه، ومن الإنصاف القول إن المسؤولية ليست على الأمين العام أو مساعديه، وإنما على الدول الأعضاء التي لا تلتزم بمبادئ الميثاق ولا تكترث بمستقبل الجامعة، التي يأتي منها مناخ صحي جماعي عربي، بدلاً من وضعها الحالي الخافت والمحتار. ثامناً: هناك دور للرأي العام الكويتي في مسايرة الدبلوماسية الكويتية المستجدة، التي نبتت من حوض الغزو ومن مهازله مع الامتثال لواقع الضرورات ومؤازرة الدبلوماسية الكويتية المسكونة بتعميق أعمدة الصلابة، صوناً لسلامة الكويت.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.