.
.
.
.

حب لبنان لا يكفى

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لن يكفى الحب الذى غمر به العرب والعالم لبنان لإنقاذها مهما كانت الكلمات والخطب والحماس والعاطفة واستدعاء كل الذكريات العذبة والمثيرة عن «سويسرا» الشرق، وأيقونة البنوك والغناء والموسيقى والفنادق والمطاعم وخفة الدم، والسياسة الحامية الساخنة التى لا يعرف أحد كيف يمكن لهذا البلد الصغير أن يكون فيه كل هذا التعقيد والتركيب، وكل هذا العنفوان فى نفس الوقت. الحب يمكن أن يتحول إلى أموال، ومشروعات، ومؤتمر دولى لإعادة البناء، ولكن كل ذلك يحتاج على الجانب الآخر اللبنانى وجود دولة.

الدولة اللبنانية كما نعلم أنها بدون حكومة، وشرعية رئيسها مشكوك فيها، والجهاز الإدارى كله مشبع بالشكوك حول الفساد من قمة الرأس إلى أخمص القدم. كل عمليات إعادة البناء التى عرفها التاريخ فى دول أخرى جرى تدميرها تماما فى أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أو كوريا بعد الحرب الكورية، كانت تحتاج عونا أجنبيا من نوع أو آخر، ولكنها كانت تحتاج عونا داخليا لاستقبال العون المشار إليه وتحويله إلى قوانين ومشروعات وتنفيذ وتطبيق. الدولة اللبنانية التى ولدت فى أربعينيات القرن الماضى بدستورها الذى قامت به، وبنظامها التوافقى الذى اتفقت عليه، وبقاعدة لا غالب ولا مغلوب التى باتت أداة تسوية التناقضات والصراعات والحروب الأهلية؛ كلها استنفدت أغراضها بحكم التجربة التاريخية، وبحكم الحراك اللبنانى الذى ثار على كل ما سبق، وهو الذى لا بد له أن يعطى الشرعية لكل ما سوف يأتى.

المريض لم يعد فقط يعانى من أمراضه التقليدية، ولكنه بات مهددا من كل أنواع العلاج الذى بات ممكنا أن يقضى على ما تبقى من مناعة. المشكلة هنا أن لبنان فوق كل ذلك تجلس بعد الانفجار وسط بحيرة من الزيوت القابلة للاشتعال، وبجوارها من كل الاتجاهات سوريا بحربها الأهلية المستعرة بكل أنواع الجيوش والإرهابيين، وفى جنوبها توجد إسرائيل التى نظريا على الأقل فى حالة حرب مع الدول العربية، وعندما اتفقت مع دولة الإمارات العربية المتحدة على السلام والتطبيع فإن لبنان مرة أخرى سوف يكون عليها أن تدفع ثمنا إضافيا.

الأزمة اللبنانية الراهنة التى بدأت مع انفجار مرفأ بيروت وانتهت إلى استقالة وزارة حسن دياب لا تعبر عن الحقيقة كلها؛ فأولا كانت هناك الأزمة التى تفجرت مع «الحراك اللبنانى» وأدت إلى استقالة حكومة سعد الحريرى وبعد صعوبات جمة تكونت الوزارة المستقيلة التى فضلا عن مشكلات لبنان المعقدة جاءتها أزمة الكورونا لكى تعطيها قبلة الحياة ولكن انفجار المرفأ عجل بنهايتها.

فى لبنان لا تتكون الحكومات بسهولة، وخلو منصب رئيس الدولة من الأمور المعتادة؛ وفى وقت كان ذلك معجزة لبنانية تبدو فيها لبنان مجتمعا أكثر منه دولة، والمجتمعات أحيانا قادرة على البقاء بقواعدها الخاصة على حب البقاء، ولكن المجتمع اللبنانى هو الآخر وصل فى التحمل إلى حدوده القصوى. أصبحت الأزمة اللبنانية مجمعا مركبا للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعاطفية أيضا. وثانيا أن كل الحلول المطروحة لمجمع الأزمات اللبنانية يستند إلى استدعاء كل الحلول القديمة، والتركيبة اللبنانية على افتراض أنه لا يزال يوجد فيها ما هو معتدل وعريق وحضرى وقادر دائما على الخروج من الأزمة التى لا يصير فيها غالب ولا مغلوب. بطريقة ما فإن هناك فى المجتمع الدولى والعربى من يعتقد أن هناك بين القيادات اللبنانية التقليدية من سوف يكون قادرا على توليف حل من نوع ما يكفى مع التهديد بالحرب الأهلية للبقاء ودفع لبنان لإعادة تركيب مؤسساتها، وعمل تسوية مع حزب الله الذى أدين واحد فقط منه، بين أربعة متهمين، باغتيال رئيس الوزراء بينما خرج الحزب من القضية كما تخرج الشعرة من العجين كما يقال فى الأمثال.

تاريخيا خرجت لبنان من أزمات كبرى وحروب أهلية طاحنة بما يشبه المعجزة. فى عام ١٩٥٨ كان الجيش اللبنانى هو المخرج، وبشخصية اللواء فؤاد شهاب حصلت الدولة على عشر سنوات من الاستقرار. بعدها تعقدت الحياة فى لبنان مرة أخرى حتى قامت الحرب الأهلية عام ١٩٧٥ واستمرت ١٦ عاما حتى جاء الحل من الخارج فى اتفاق الطائف. عاشت لبنان بعدها حلوا ومرا حتى أتى حزب الله بالغزو الإسرائيلى للدولة، وعندما جاءت التسوية أصبح حزب الله حاكما للبلاد بمعادلة «الثلث المعطل»؛ أى حق الفيتو للحزب الذى هو فى حقيقته نافذة إيرانية على الدولة وسوريا فى جوارها. الآن أصبحت لبنان تواجه الأزمة مرة أخرى، ولم يعد أمامها من حل سوى إقامة دولة وطنية لا يوجد فيها حزب مسلح متحالف مع الشيطان.

* نقلا عن "المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.