.
.
.
.

فى فهم مجلس الشيوخ

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

كان خبر اختيارى للتعيين فى مجلس الشيوخ مفاجئا، وبقدر ما كان دافعا للشكر والامتنان لمن اتخذ القرار، فإنه كان سببا للسعادة حيث لا يوجد أمر فى حياة من اختار الخدمة العامة أجمل من أن يكافئ بالمشاركة فى المؤسسات المنوط بها القيام بهذه المهمة. كانت هناك أسباب كثيرة للمفاجأة ليس فقط لأنه يعنى استئنافا لخبرة سابقة للعمل فى مجلس الشورى (٢٠٠٧-٢٠٠١)؛ وإنما أيضا لأنه جاء مقرونا بوظيفتى الحالية كرئيس لمجلس إدارة المصرى اليوم؛ وأكثر من ذلك إفساحا لآراء فى الشأن العام لا تلقى دائما رواجا لدى الرأى العام المهتم فى مصر. ولكن كان هناك مصدر آخر للمفاجأة خارج القرار ذاته، فقد توالت أجهزة الإعلام الصحفية والتليفزيونية والمذياع أيضا فى التساؤل عن «مجلس الشيوخ» وعما إذا كان الأمر «ورقيا» أو «كارتونيا» أو «مظهريا»، أو أنه سوف يكون «حقيقيا» يحل مشاكل الشعب والأمة ويكون له تأثير «واضح» فى قضايا البلاد الشائكة.

بلغت قلة المعرفة مبلغها عندما جاء التصور عن رفع العبء عن مجلس النواب تارة؛ واقتسام القوانين معه تارة أخرى. لم يترك أحد تجربتى السابقة فى «مجلس الشورى» دون غمز أو لمز فى أنها الصورة التى لا يودون لها أن تكون الحالة فى المجلس الجديد. ما هالنى فى الأمر ليس الأسئلة التى لم يكن صعبا الإجابة عليها، كما سوف يلى بعد قليل، وإنما مدى تأثرها بنفس أدوات التواصل الاجتماعى فى الطرح والتساؤل والروح التى لا ترى فى الأمور إلا أسوئها، وفى الدنيا إلا ظلامها رغم التوالى الملحوظ لليل والنهار!. ما فجعنى أكثر شبه الغياب الكامل للبحث والتحرى عن الموضوع وأصله وفصله، بل حتى بذل الجهد فى تذكر ما جرى أو منشأ المرحلة التى نعيش فيها الآن.


فبدا الأمر كما لو أن «مجلس الشيوخ» ولد دون ميلاد له أصوله ومنابعه التى جاءت مع الدستور (٢٠١٤) وتعديلاته (٢٠١٩) والتى فى كليهما جرت مناقشات كثيرة سواء كان ذلك لإلغاء «الغرفة الثانية» أو لعودتها مرة أخرى. لم يكن التاريخ بعيدا عن تلك اللحظات، ولا كان أرشيف الزمن بعيدا للغاية، ومع ذلك كانت المعرفة غائبة، أو أن لا أحد يريد تذكرها، أو أن غمامة «الفيسبوك» خلقت حالة الشلل العقلى والبصرى لكى تخلق صورة كاريكاتورية مسبقة لواقع محدد ويمكن التعرف عليه فى آلة البحث البسيطة «جوجل».

لم تكن تجربة «مجلس الشورى» فارغة كما جرى تصويرها، ولو كان التصوير يبدأ بالمهمة المحددة للمجلس فى الدستور، وبالتقارير التى كان يصدرها المجلس كل عام وفيها ما بحثه من موضوعات على المستوى العام، أو على مستوى اللجان النوعية، وما صدر عنه من تقارير تخص الكثير من قضايا المجتمع؛ فإن فهم «مجلس الشيوخ» اليوم لن يكون صعبا وبالتأكيد ليس مستحيلا. وللتاريخ فإن «مجلس الشيوخ» كان هو الاسم الذى اقترحه معالى الوزير والسفير عمرو موسى فى لجنة الخمسين لكى يكون الغرفة الثانية للسلطة التشريعية. وربما كان الطموح هو اقتباس سيرة عطرة سابقة للمجلس فى العهد الملكى، ولكن الأغلبية فى اللجنة رأت تميزا ضروريا عن العهد السابق سوف يظهر من رفض الاقتراح، ودلالة على الديمقراطية. وعندما أخذ الزمان دورته ومراجعاته وجاءت التعديلات الدستورية مرة أخرى باتت هناك حاجة للغرفة مرة أخرى، والتى لم تكن ذاكرتها بالنسبة لها فى عهد سابق مما يمنع وجود التجربة مرة أخرى. وهكذا جاء الباب الجديد «السابع» فى الدستور لكى يشمل المواد من ٢٤٨ إلى ٢٥٤؛ وفى هذه الأخيرة جاء التماس مع مجلس النواب بالنص: «تسرى فى شأن مجاس الشيوخ الأحكام الواردة بالدستور فى المواد (١٠٣ إلى ١٢٠، و١٢١ فقرة ١و٢، ثم المواد من ١٣٢ إلى ١٣٧). وذلك فيما لا يتعارض مع الأحكام الواردة فى هذا الباب، وعلى أن يباشر الاختصاصات المقررة فى المواد المذكورة مجلس الشيوخ ورئيسه».

المهمة الأساسية لمجلس الشيوخ ترد نصا فى المادة ٢٤٨ على الوجه التالى: «يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلا بتوطيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطى، وتوسيع مجالاته». أما عمل المجلس فيأتى فى المادة ٢٤٩ حينما يذكر «يؤخذ رأى مجلس الشيوخ فيما يلى: الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور. مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة. مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التى تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب. ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها فى الشؤون العربية والخارجية. ويبلغ المجلس رأيه فى هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب.«مجلس الشيوخ» هكذا هو جهة استشارية للرأى فى معظم أمور الدولة واهتماماتها الخارجية والداخلية سواء لرئيس الجمهورية أو مجلس النواب. وهو ليس جهة استشارية مثل «المجالس القومية المتخصصة» فى السابق، أو تلك التى تأتى من شركات الاستشارة الدولية، أو تلك التى تأتى من مراكز البحوث الوطنية، وإنما هى جهة فى الأول والآخر «سياسية» ثلثاها تم

انتخابه من قبل الشعب فى انتخابات موثقة فى تاريخها وإجراءاتها؛ والثلث الثالث المعين أتى وفق قواعد تشكيل الجبهة الوطنية التى تشمل رؤساء الأحزاب الوطنية كلها، وقادة النقابات المعبرة عن مصالح أعضائها، والممثلين للقطاع الخاص، ومنابع المعرفة فى الجامعات والإعلام. «الرأى» هكذا له طبيعة سياسية ينقل لسلطات الدولة التنفيذية والتشريعية بصيرة العلم ونهج استقراء المصالح داخل الدولة والمجتمع. مثل ذلك هو الأساس الذى عليه قامت الرؤية الواردة فى المادة ٢٤٨ حيث تحدد المسار بالسعى إلى إقامة نظام ديمقراطى يجرى بناؤه وتوسيعه وتعميقه وفقا للتقدم الجارى، والذى نسعى إليه، فى تطور البلاد ورفعتها وتحقيق أهداف رؤيتها القومية.

المجلس هكذا خطوة أولا لاستكمال البناء المؤسسى للدولة وفقا للدستور المصرى، وثانيا لدعم المشروع القومى المصرى للتنمية والتقدم على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية. كيف يفعل ذلك هى مهمة قيادة المجلس وأعضائه فى ترجمة مسؤولياته الدستورية إلى لائحة للعمل، ولجان للبحث والاستقصاء فى الشؤون العامة، وقرارات وقوانين وتقارير، تأخذ بيد السلطة العامة وتضعها على نبض المجتمع والدولة مع تحسس مواقع الخطر والتهديد فى الداخل والخارج. هو ليس مجال التناطح بين الحكومة والمعارضة، أو الصراع بين الموالاة والممانعة كما هو شائع فى مجتمعات كثيرة، ولكنه مجال لإدارة الاختلاف والتوافق لدعم القضية الكبرى فى أن تكون مصر جزءا من عصرها ومن العالم المتقدم فيه.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.