.
.
.
.

زيناوي.. رحلة الحياة والموت

أحمد القرشي إدريس

نشر في: آخر تحديث:

"لم أخش الموت، ولكنني كنت حريصا ألا يلقاني سهلا هيناً"... نعم أنا قبلي من التيغراي لكن رؤيتي للنجاح أن ننعتق من القبلية. منذ أن جلست في درس التشريح أتطلع من الشباك في الطابق الثالث إلى بيوت الصفيح شرقاً وإلى السيارات الفارهة تعبر الجسر شرقاً والمطر ينهمر بغزارة في أديس أبابا، صممت أن أكون واقعيا وأبدأ من حيث يقف الناس، وركزت بصيرتي. فمن السهل أن أقفز من النافذة وأصل إلى الشارع، بيد أن مخاطر ذلك جمة. ولا بد من سلوك الطريق العقلاني. مليس زيناوي لم ينفك يردد أن "الصومال ينتمون إلى ثلاث عرقيات، ويدينون بالإسلام، بيد أن النزاع على السلطان جعلهم يعودون إلى جاهلية القبيلة ثم العشيرة وإلى الدمار".

زيناوي كان يؤمن بأن القيادة الراشدة الواعية بواقعها وما تتطلع إليه الأجيال المقبلة "ضرورة"، لم يكن يقول إنه جاء منقذاً، لكن عينك لا تكذب ما تراه، كلما زرت أديس أبابا وبعض مدنها، ملامح التعب في وجوه الناس تنحسر، وأصوات الحق تعلو، ودعوات العنف تخسر عنفوانها التاريخي في إثيوبيا. الأورمو (نحو 34%) والأمهرة (نحو 25%) وغيرهم من أقليات الجنوب والغرب بدا تمثيلهم في المؤسسات يرتقي رويدا رويدا من خلال تحالفهم مع التيغراي المنتصرين (نحو 6% من السكان)، تحت قبضة زيناوي. لم يكن الرضا عن زيناوي كاملا أو شاملا، ولكنه كان يكبر، واقترب تحقيق حلمه أن يبقى على رأس السلطة، يبقى قويا وسط كثرة الآخرين، بمباركة العالم.

وفي بواكير العام 2011 صحا زيناوي حلما شغل به الإمبراطور الراحل هيلا سلاسي العالم في العام 1956 ببناء سد ضخم في نفس المكان وبلقب ضخم أيضا "سد القرن". الإمبراطور هيلا سلاسي حاول حينها ووجه بدعاوى سودانية "لم تعد باقية في ذاكرتهم إلا لمما وحزنا على الماضي" أن المنطقة التي يسكنها بني شنغول سودانية خالصة. وحاول منغستو العام 1990 قبل سقوطه بعام بناء السد، لكنه تراجع بفعل الأوضاع العالمية والوضع الاقتصادي. وبعد عامٍ من الإعلان عن السد أخذ زيناوي يشكو من مرضٍ لم يفلح أطباء إثيوبيا في معرفة سبب له. وسافر إلى بلجيكا عله يجد الدواء. وفي أغسطس 2012 أعلنت وفاة زيناوي، ولم تعلن حتى الآن علّته.

تحدث مقربون عن نفس السم الذي أودى بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وهناك من قال بإصابته بسرطان الكبد. بكاه كثيرون ورقص لموته آخرون كذلك. وورث الحكم عنه هايلي مريام ديسالين، المنتمي لعرقية صغيرة هي ولايتا الجنوبية. كان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية، دمث الأخلاق، يميزه الصمت ثم الصمت. واختير أبي أحمد أول رئيس وزراء من الأورمو في مارس 2018 بعد اختياره في الجبهة الحاكمة أمينا عاماً. وصوله جاء بعد حوادث عنف وتظاهرات قادها الأورمو، وهددت نظام الحكم بأكمله، ليفسح التيغراي المجال لأبي أحمد، لكن بدا أن رئيس الوزراء الجديد "ضل طريق الصبر" الذي رسمه زيناوي، وأسرع في خطى التمكين ليتشكل مشهد يلحظ العالم خطوطه المظلمة قبل أن تكتمل اللوحة في أفقه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة