هل ستقضي السيارة الكهربائية على اقتصادنا؟

حامد الحمود
حامد الحمود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

كنت دائماً أرى أن ما سيهدد اقتصادنا سيكون نضوب النفط، وأنه علينا أن نستعد لفترة لا تتمكن الكويت من إنتاج أكثر من مليون برميل نفط يومياً. لكن الأحوال تغيرت، فالسيناريو الأكثر احتمالاً أصبح انخفاض أسعار النفط لا نضوبه. ولا أتحدث هنا عن انخفاض موسمي للأسعار، إنما انخفاض دائم ناتج من انحدار دائم للأسعار بسبب التحول من استخدام الطاقة الهيدروكربونية إلى الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية. إضافة إلى حدث أهم، ذلك هو التحول من استخدام السيارة التي نستخدمها حاليا - المسيرة بالبنزين - إلى السيارة المسيرة بالبطارية الكهربائية. هذا، ومع أن السيارات الكهربائية الجديدة المبيعة حالياً في العالم لا تشكّل أكثر من 3 في المئة من إجمالي السيارات، إلا أن هناك إشارات إلى أن هذه النسبة سترتفع ارتفاعاً حاداً خلال السنوات القليلة المقبلة. فقد أعلنت ماري بارا - رئيسة شركة جنرال موتورز - أن الشركة سوف تتوقف عن إنتاج السيارات المسيرة بالوقود عام 2035، مما أحدث ارتجاجات في سوق صناعة السيارات. فـ«جنرال موتورز» هي أكبر شركة في الولايات المتحدة في صناعة السيارات، وهي توظف ما يزيد على مليون عامل. وعندما يأتي هذا التصريح من «جنرال موتورز»، فهذا أمر غريب! فقد كانت الشركة قد صنعت سيارة كهربائية باسم EVI منذ نحو عشرين سنة، لكنها تخلت عنها فجأة لمصلحة سيارات البنزين. لكن تصريح ماري بارا - رئيسة الشركة - يأتي في وقت أصبح فيه مصنعو السيارات تحت ضغوطات للتحول إلى سوق السيارات الكهربائية. ووفقاً لتصريح رئيس شركة أودي والخبير في صناعة السيارات ماركوس روسمان، نشر في «نيويورك تايمز» في 27 /‏ 1 /‏ 2021، فإنه قبل عشر سنوات لم يكن أحد قادراً على رؤية مسار تطور هذه الصناعة. فقد كانت هناك ضغوطات ناتجة من وضع معايير لكمية الوقود المستهلك للكيلومتر الواحد. فقد وضعت إدارة أوباما عام 2025 حداً ليصل فيه استهلاك الوقود بمعدل 90 كلم للغالون الواحد، والذي شكّل ضغطاً على صناعة السيارات. فوجدت الشركات أن الاستثمار في صناعة سيارة كهربائية بديلاً عن سياراتها المسيرة بالوقود ربما أجدى من الالتزام بصناعة سيارات تستهلك غالوناً واحداً لكل تسعين كلم. فقد أعلنت شركة فولكسفاغن أنه ستكون هناك سيارة كهربائية مقابل كل نوع تنتجه من سيارة بالبنزين بحدود عام 2030. هذا، وهناك تخوف من أن يتسبب التحول إلى صناعة السيارات الكهربائية في إلغاء وظائف كثيرة وفي البطالة. فوفقاً للصحيفة الألمانية Handelsblatt.com/‏English المؤرخة في 1 أكتوبر 2018، فإنه في ألمانيا سيهدد هذا التحول 600 ألف وظيفة من 800 ألف وظيفة موجودة حالياً. وذلك لأنه بالمعدل هناك نحو 1000 قطعة غيار في السيارة المسيرة بالوقود، مقابل 200 قطعة في السيارة المسيرة بالكهرباء. لكن الصحيفة نفسها ترى: «أنه ستكون هناك وظائف جديدة في الرقمنة أو Digitalization، وأن السيارة الكهربائية ستكون كمبيوتراً متحركاً متضمناً مجسات حساسة وليزراً وراداراً». لكن بالطبع لن تعوض الوظائف الملغاة. هذا، ويبدو أن تصريح ماري بارا - رئيسة «جنرال موتورز» - بالتحول إلى صناعة السيارات الكهربائية كان نوعاً من المواءمة مع عهد بايدن الذي عاد لفرض معدلات الكفاءة نفسها في استهلاك الوقود، داعماً الضغط ببيئة أنظف بإعلانه بناء 500 ألف محطة شحن كهربائية على الطرق في أميركا بحدود عام 2030، حيث إن قلة انتشار محطات الشحن لا تشجع على انتشار السيارات الكهربائية. كما أن شراء وحدة شحن بتكلفة 2000 دولار لا يحل المشكلة لمالك سيارة كهربائية يسكن في شقة. لكن ماذا عن تأثير هذه التحولات إلى استخدام السيارة الكهربائية اقتصادياً؟ يبدو أن الشركات النفطية استشعرت بالأمر قبل الدول النفطية، فوفقاً لما نشرته «واشنطن بوست» بتاريخ 25 سبتمبر 2020، فإن الشركات النفطية بدأت في تشكيل استراتيجيات جديدة. يقول بيل ماكيبن مقتبساً من كتاب دانييل يرغين: «الخريطة الجديدة: المناخ وصراع الأمم» إن مستقبل الصناعة النفطية لن تشكّله الدول المصدرة للنفط (OPEC)، وإن الشركات النفطية بدأت تأخذ مسارات جديدة. ففي أغسطس 2020، أعلنت شركة النفط البريطانية BP أنها ستخفض إنتاجها من النفط والغاز بنحو 35 في المئة خلال عشر سنوات، محوّلة الاستثمارات إلى استثمارات في الطاقة المتجددة. وهذا يعكس تحولاً في القلق المستقبلي من قلق لنقص في المخزون النفطي إلى قلق من فائض لهذا المخزون. ونحن في الكويت ودول الخليج كنا دائماً قلقين من أن يأتي يوم نضطر فيه إلى خفض إنتاجنا لتراجع القدرة على الإنتاج. والأمر تغير الآن، فعلينا أن نقلق من تدهور أسعار النفط بسبب ضعف الطلب. وقد لمسنا ذلك في الأشهر الأولى من جائحة «كورونا». لكن المستقبل ينذر بانخفاض ليس بسبب جائحة، وإنما بسبب التحول إلى استعمال السيارات الكهربائية. ففي الوقت الحالي يستهلك 68 في المئة من النفط في النقل، الذي يشمل الطائرات والبواخر. ويستهلك 25 في المئة من النفط في السيارات الخاصة. هذا، ومع أن التحول الإجمالي للسيارات الكهربائية سيزيد من توليد الطاقة الكهربائية التي أغلبها من محطات تعتمد على الوقود الأحفوري، إلا أن هذه الزيادة لن تعوّض ما سيخسر من خفض الطلب للتحول إلى السيارة الكهربائية. ولا بد من التأكيد أن هناك خفضاً 10 في المئة من الطلب على النفط لا يولد انخفاض الأسعار 10 في المئة فقط، وإنما نسبة أعلى. المهم أن هذه السيارة الكهربائية التي سوف تعمل على خفض الانبعاث الكربوني هي صديقة للبيئة، لكنها ليست صديقة لنا لأول وهلة. لكن علينا أن نفكر جلياً ونتعلم كيف نصادقها. وأن نتكيف مع تأثيرات انتشارها عالمياً على اقتصادنا. وأن نستعد لحياة ينخفض فيها الطلب العالمي على النفط. فمن دون استعداد لفترة ستتوقف فيها «جنرال موتورز» عن إنتاج سيارات الوقود، سنؤخذ على حين غرة، وسنجد أنفسنا في صراع، غير متمكنين من بيع نصف إنتاجنا النفطي الحالي.

*نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط