الكويت في السرحان السياسي
تنوعت جلسة الافتتاح البرلماني في الأسبوع الماضي في أدائها، بين المؤلم والمزعج، بين الواعد والخائب، فليس من المألوف جلوس نواب خارج القاعة على كراسي الاحتجاج، ساخطين بقناعاتهم بأن الصواب معهم والحق بجانبهم، بينما زملاؤهم الآخرون يتداولون في قاعة المجلس حول قضايا جوهرية جاءت من لجان تشكلت معظم عضويتها من نواب الاحتجاج الجالسين في الخارج بمنظر لا يليق.
ومن دون شك وصلتهم رسالة نائب رئيس المجلس السيد أحمد الشحومي، الذي عبر عن المخزون في المشاعر، شاكياً ومتبرماً، ومعبراً عن معاناته من خصومة عدد من النواب، أخذتهم قناعتهم إلى عدم المشاركة والمقاطعة، بمشهد غير مسبوق سجلته رزنامة المجلس ليستخلص منه الباحثون تحليلاتهم عن مفاهيم الحياة البرلمانية في الكويت.
أولاً- كانت رسالة سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الجابر مؤثرة ومعبرة عن ضمير الأمة ووجدانها، أكدت ضرورة الحاجة الماسة إلى التعاون البناء بين السلطتين ووضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، مع تأكيد الدعوة لاحترام القضاء، لاسيما أحكام المحكمة الدستورية والالتزام بأحكام الدستور لاسيما المادة (50) المتعلقة بالفصل بين السلطات، هنا أود الإشارة إلى أن سمو الأمير وضع القضاء والدستور في سلم الضرورات لدورهما في أمن الوطن وصون استقراره، مشدداً على التزام القيادة العليا بمعاني هذه الوثائق ومدركاً لقيمتها الجوهرية في حياة الكويت..
وفي قناعاتي بأن سمو الأمير أغلق باب الاحتمالات حول تعليق الدستور، كما رسخ المبادئ التي جسدها عهد الشراكة الذي تم الاتفاق عليه بين الشيخ عبدالله السالم وممثلي الشعب في عام 1962.
فإذا كان الدستور الوثيقة المعبرة عن الشراكة في الحكم في ائتلاف بين الشرعية التاريخية والشعب، فإن مداخلة سمو الأمير هي تجديد للعهد وإغلاق لأبواب التعليق.
ثانياً- من المناسب أن تتمعن مجموعة المعارضة في مسببات التراجع عن طموحاتها التي كانت مرسومة، سواء في الدفع نحو الحل أو تحقيق ما تريده من القرارات، ومع الهدوء فسيجد زعماء المعارضة أن اللجوء إلى الشارع وشحنه بالشعارات وبتشويقه بالمنجزات الشعبية السخية لا تنفع لأن الأولويات للمواطنين هي سكينة الوطن وأمنه وسلامة الحياة فيه، فالشعب الكويتي مدرك لمحتوى الوطن في استثنائية تطوره من ساحل مهجور إلى رواية بألوان زاهية من البحر والبر، وكل ما يريده الشعب هو التطور في مسارات الحياة في بلد نظيف يتسيده القانون ويحترم آدميته ويصون آماله، وأكثر ما يزعج في هذا الوضع هو الانطباع المشوه عن صورة الكويت التي يحملها القراء من الخارج.
ثالثاً- كان من الأفضل طرح العفو عن الكويتيين المغردين سواء المسجونين أو الذين في الخارج هروباً من احتمالات السجن، خاصة أن هناك منهم من يدرس، وقد تتحطم حياتهم إذا استمروا في المنفى الاختياري، وأعتقد أن هذه الخطوة لها إمكانية واسعة من النجاح لو طرحت بمعزل عن مجموعة الكبار في تركيا، وذلك لمسببات قانونية وسياسية واجرائية، لأن جريمة التغريدات مهما كانت غلاظتها يمكن علاج آثارها، فلا توجد عدالة في جمع الطرفين في ملف واحد.
رابعاً- أثبتت أزمات الكويت أن حلولها تتوافر في اللقاءات والمشاركات لا في المواجهات، ولا في المعارضات، لأن أعمدة الاستقرار الكويتية قائمة على الشراكة الرسمية الشعبية، آلياتها هي المشاورات والتفاهمات، والالتزام بالقوانين والتشريعات والقبول بحكم القضاء، وقد جاءت أزمة اليوم من نفور من حكم المحكمة الدستورية بإلغاء عضوية النائب د. بدر الداهوم، فلا يمكن كسر الحكم، وليس بيد أي طرف إلغاؤه، فلا يملك البرلمان ولا غيره مس القضاء، لأن ذلك يسحب الكويت إلى دروب الاستبداد والتدمير والفوضى وتسيد البلطجة مع ضياع الوطن.
خامساً - يمكن من هذه الأزمة أن يخرج فضاء الفرص للمواهب لتسود، وينفتح المناخ المحتضن للإبداع مع وعي تدفق من هذه الأزمة بحتمية جودة الإدارة في وزارات الدولة ومؤسساتها، مع نهاية عصر البراشوتات، وخاتمة التميز في التعيينات، فلا يوجد ضرر أكثر من حرمان القادر من حقوقه، واختيار المدعوم غير المستحق مكانه، ونتخوف من إفرازات هذا الأسلوب على سلامة الدولة وعلى أمن المجتمع.
فالواضح أن سمو رئيس الوزراء أغلق وبشكل غير مسبوق معادلة العطاء مقابل البقاء في المنصب، لأنه معتمد في يقينه على مقدرته وكفاءته في إدارة الدولة، وشكل بذلك تحولاً تاريخياً في الحسابات، وهنا أشير إلى أن نائب رئيس الوزراء، وزير العدل، وزير الدولة لشؤون تعزيز النزاهة، السيد عبدالله الرومي، ليس مكلفاً لمكافحة سرقة المال فقط، وإنما في وقف سرقة الآمال من القادرين لمصلحة المسنودين، ومع هذه الخطوة يمكن القول إن الدولة دشنت فصلاً يعزز الأداء الوظيفي الحكومي ويحسن مقام الدولة.
سادساً - نقدر فروسية سمو رئيس الوزراء، فهناك إجماع على النزاهة والنظافة وحسن الخلق وجودة التربية، وجوانب أخرى عالية يملكها في شخصه، لكن الأزمة أظهرت عزوفه عن التوجه الإعلامي للحديث مع الرأي العام وشرح الوقائع، وتسليط الأضواء على مواقع الأمل المستقبلية، وعلى بقع التقصير والمسؤوليات المتوقعة من مجلس الأمة في حماية جواهر الاستقرار التي لا تمس، وأعباء الشراكة الدستورية مع الدخول في لقاءات عبر الخريطة السياسية.
تسيدت المعارضة المشهد الإعلامي من دون حضور لصوت الحكومة في فراغ تولدت منه تساؤلات عما يدور، في بلد اعتاد على الانفتاح مع كشف حقائق الوضع دون غموض.
سابعاً: هناك مسؤولية كبيرة على الحكومة، وجهازها السياسي والإداري، والفني في احتواء آليات التواصل الاجتماعي التي أسهمت في شحن التوتر السياسي، ولعبت دوراً في تشجيع الانشقاقات داخل المجتمع بين الطوائف والقبائل، وأكثر من ذلك استمرار بث التهم المفبركة وتوسيع دوائر الإشاعات، وممارسة فنون التحريض مع المبالغات، ويوجد إصرار شعبي على علاج هذا المسار ورصد الكتائب البشرية التي تضخ هذا النهج المدمر.
ثامناً - تدرك القيادة العليا، وسمو رئيس الوزراء، بأن التحولات الداخلية لاسيما الفترة الأخيرة بأبعادها السياسية والفكرية والأمنية والمعنوية توصي بضرورة تخفيف الأثقال التي يتحملها رئيس الوزراء، ويمكن أن يمنح صلاحياته إلى الفاضل عبدالله الرومي، نائب رئيس الوزراء، وزير العدل، وزير الدولة لشؤون تعزيز النزاهة، وبما يسمح لرئيس الوزراء بمزيد من الوقت للعمل السياسي الذي يتزايد، لكي يخرج من التراكمات الحالية التي تستوعب معظم وقته.
وأخيراً- خرجت الكويت من حادثة من صناعة بعض أبنائها الذين لم يرتاحوا لحكم المحكمة الدستورية، وتصدوا لحكمها بتمارين لا تحقق مكسباً، وتترك حساسيات سياسية وشخصية..
علاج هذه الأزمات التي تلوح في أفق المجلس، هو الإصرار على القانون والالتزام بمحتوى الدستور، ففيه سلامة البلد مهما تذمر البعض من هذا التوجه.
*نقلا عن القبس