.
.
.
.

الأديان الإبراهيمية: دعوة للوحدة وليس للصراع

بروفيسور لورد ديفيد ألتون و د. وائل العجي

نشر في: آخر تحديث:

في ظل الصراعات الدينية والطائفية التي تجتاح مناطق مختلفة من العالم، يتساءل المرء: هل تستطيع الأديان الإبراهيمية أن تجلب أملًا جديدًا لسلام عالمي طويل الأمد، وبخاصة أن كثيرًا من الباحثين يلقي اللوم والمسؤولية عن تاريخ طويل من الصراعات الدموية على الأديان الإبراهيمية؟
لا يوجد أدنى شك لدينا في أن الجواب على هذا السؤال هو نعم، فالأديان الإبراهيمية قد تعايشت سلميًّا في مراحل عديدة من التاريخ، وهناك أدلة تاريخية ولاهوتية وفقهية كثيرة تدعم هذا الرأي.
تبدأ قصة الأديان الإبراهيمية مع إبراهيم، الأب الروحي للملة الإبراهيمية. ولد أبينا إبراهيم في مدينة أور الكلدانيين التي تقع قرب الناصرية في جنوب العراق، وكان والده، تارح، من الجيل التاسع بعد نوح، وكان لديه ولدان آخران إضافة إلى إبراهيم: ناحور وحاران والد لوط.
بالنسبة لليهود، فإن إبراهيم هو الذي تلقى عهد الأسباط الذي وصف وحدد العلاقة بين الله وبين العبرانيين حسب الديانة اليهودية. أما بالنسبة للمسيحيين، فإن إبراهيم هو أبو المؤمنين عبر الأجيال. كما يحتل إبراهيم مكانة رفيعة في الإسلام إذ إنه شخصية رئيسة في سلسلة الأنبياء التي تبدأ بآدم وتنتهي بمحمد.
و وفقًا للرواية، فإن الله أمر تارح وولده إبراهيم بالرحيل من موطنهم إلى بلاد كنعان الأرض المقدسة لكل المؤمنين الإبراهيميين. وفي طريق ارتحالهم، عاش تارح وإبراهيم لبعض الوقت في بلاد حاران التي تقع في الجزء العلوي من بلاد ما بين النهرين، وهناك توفي تارح أبو إبراهيم.
في عام ١٤٤٦ بعد الميلاد وحوالي ٦٤٥ سنة بعد إبراهيم، قاد موسى العبرانيين في مسيرة الخروج من مصر. و وفقًا للكتب المقدسة للأديان الإبراهيمية الثلاثة، فإن موسى قد تلقى التوراة أو ألواح الشريعة من السماء، وإليه تنسب الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم.
يعد مفهوم التوحيد واحدًا من أبرز المشتركات بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، ولذلك فإن هذه الأديان تدعى أحيانًا الديانات التوحيدية، لأنها تؤمن بالطبيعة الواحدة لله. في الإصحاح العشرين في سفر الخروج، تقول الوصية الأولى من الوصايا العشر: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من العبودية في أرض مصر، لا تأخذ لك آلهة غيري.
ذات الوصية ركز عليها المسيح عندما سأله معلمو الشريعة عن الوصية الأهم في رأيه، فأجابهم: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهك إله واحد. (حسب إنجيل مرقس، الإصحاح الثاني عشر). وبعد أربعة قرون من هذه الحادثة، أكدت الكنيسة في مجمع نيقية هذا المبدأ، حيث يذكر قانون الإيمان الذي أُقِرَّ في نهاية المجمع: نؤمن بإله واحد، الآب، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى. وهذا بالضبط ما أكدته سورة الحشر: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم}.
وتوجد عدة شواهد تاريخية مهمة تدعم هذا الرأي، وبخاصة تلك التي تتعلق بأصل ودلالات كلمة "التوحيد" في اللغة العربية. فعلى سبيل المثال، فإن الاسم الرسمي المعتمد منذ القدم للكنيستين الإثيوبية والإريترية هو "الكنيسة الأرثوذكسية التواحيدية"، وكلمة "تواحيدو" في اللغة الجيزية القديمة التي كانت سائدة في بلاد الحبشة تعني حرفيًّا "الوحدة أو التوحيد"، وهذا مطابق تمامًا لمعنى كلمة "توحيد" في اللغة العربية. وإذا تذكرنا أن اللاجئين المسلمين الأوائل قد اتجهوا إلى الحبشة في القرن الهجري الأول هربًا من الاضطهاد الديني الذي تعرضوا له في مكة، يصبح لهذا الربط دلالات معنوية كبيرة.
إن التعايش بسلام وتوافق بين أتباع الأديان المختلفة لا يتطلب أن يؤمن الجميع بمعتقدات بعضهم الآخر، ولكنه حتمًا يتطلب أن يحبوا ويحترموا بعضهم بعضًا، ويحتفوا بالتعددية والتنوع الديني كعوامل إيجابية تسهم في زيادة جمال وتطور أي مجتمع بشري.
إن العائلة الإبراهيمية تتألف من أكثر من ثلاثة مليارات مؤمن، ترغب أغلبيتهم الساحقة في العيش بسلام وتوافق، وقد حان الوقت للشخصيات الحكيمة والعاقلة من كل الأطراف لتتلاقى، وترفع صوتها لتتحدى وتفكك خطاب التطرف والكراهية، وتسترجع الأديان الإبراهيمية من أيدي الأشخاص والجماعات التي تستغلها لتحقيق مكاسب وأطماع سياسية، مغذية بذلك نظريات صراع الحضارات. لقد ذكر الصديق يان فيغل في أحد خطاباته مرة وقد كان مبعوثًا خاصًّا للاتحاد الأوروبي لشؤون الحريات الدينية: إن العالم لا يحتاج لصراع الحضارات، بل يحتاج مزيدًا من الحضارات.
إن المبادرات التي ظهرت مؤخرًا في أنحاء مختلفة من العالم تدعو للتفاؤل، فمن السعودية والأردن ومصر والإمارات والعراق وإسرائيل والفاتيكان نشهد عددًا من المبادرات والأفكار التقدمية في هذا المجال، ومحاولات واعدة للحوار وتحقيق السلام.
ونثمن على وجه الخصوص الزيارة غير المسبوقة التي قام بها رئيس رابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد بن عبد العزيز العيسى لمعسكر الاعتقال النازي في أوشفيتز في بولندا على رأس وقد ضم ٦٢ عالمًا مسلمًا من ٢٨ دولة إسلامية مختلفة. كما شارك وفد رسمي من اليهود الأميركان في تلك الزيارة أيضًا.
خطوة صغيرة ربما على هذا الطريق الطويل، لكنها خطوة ذات رمزية كبيرة جدًّا للملايين من المؤمنين الإبراهيميين، وبداية موفقة لخطوات أخرى على درب التفاهم والسلام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.