.
.
.
.

أكاذيب إثيوبية

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

المعركة مع إثيوبيا بشأن سدها الغاصب لمياه النيل الأزرق ليست فقط فنية أو سياسية أو تفاوضية فحسب، هى كل ذلك وأكثر، إذ تمتد إلى أساليب الدعاية بكل مكوناتها الرسمية والشعبية. والأخيرة تجد مجالها الأرحب فى وسائل التواصل الاجتماعى، حيث تتشكل مجموعات تُعرف بالكتائب الإلكترونية. والبعض طواعية تديرها مجموعات تؤمن بقضية معينة وتروج لها، والبعض الآخر تشكله جهات رسمية تختفى وراء تلك الكتائب لتوجه الرأى العام بشأن مصالح كبرى تهم تلك الجهات عبر ضخ كم هائل من المقولات والأكاذيب الموجّهة للبسطاء وقليلى المعرفة.

فى السنوات الماضية، استطاعت إثيوبيا أن تروّج الكثير من مقولاتها الكاذبة فى المجالين الأفريقى والدولى بشأن النيل الأزرق والحقوق المائية المصرية والدور المصرى فى أفريقيا عبر الكثير من حملات الكتائب الإلكترونية التى وُجّهت باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية إلى تلك الساحات، وكثير منها ينطلق من الولايات المتحدة ودول أوروبية، إضافة إلى دول أفريقية مختلفة. فى الوقت الذى لم يكن فيه لدى مصر مثل تلك الكتائب، والتى يبدو أننا نفتقر إليها كثيراً، وهو ما يؤثر على موقف الكثيرين من الدول والمنظمات الإقليمية بشأن تفهّم أبعاد الموقف المصرى.

تمتد الدعاية الإثيوبية إلى أدواتها الرسمية ممثلة فى المتحدثين الرسميين لرئاسة الوزراء والخارجية ووزارة الرى والمياه الإثيوبية وجهات عسكرية. وهى جميعاً تركز على 4 أكاذيب كبرى يقصد بها حشد أكبر مدى ممكن من التأييد للموقف الإثيوبى باعتباره حقاً مطلقاً وعدم إدانته، ومن ثم محاصرة الموقف المصرى، الذى يركز على التحركات الرسمية وقليل جداً من الدعاية الشعبية. المقولات الإثيوبية تبدأ بأن مصر لا تهتم ولا تراعى حق الأفارقة فى التنمية، بينما أديس أبابا تعمل على تنمية نفسها من خلال إنتاج الكهرباء وتطوير حياة الإثيوبيين. وثانياً أن القاهرة تعمل على إجبار إثيوبيا على قبول اتفاقيات استعمارية لتقسيم المياه، وهى اتفاقيات غير مقبولة، لأنها ظلمت إثيوبيا وأضرت بحقوقها فى مياه النيل الأزرق، وثالثاً أن أديس أبابا لا تسعى إلى الإضرار بمصالح مصر والسودان، لكنها تريد الاستفادة القصوى من مواردها المائية، ورابعاً أنها تسعى إلى إنجاح التفاوض برعاية أفريقية، بينما مصر والسودان تعرقلانه.

المقولات، أو بالأحرى الأكاذيب الإثيوبية الأربع يتم تكرارها، وتصوغها فى رسائل إلى الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، وكل منها مردود عليها بالوقائع الجارية والحقائق التاريخية معاً. وهنا أهمية تكرار رفضها وفضح ما فيها من أكاذيب، ويا حبذا أن تتشكل كتائب إلكترونية مصرية، وأخرى مصرية سودانية، لفضح تلك الرواية الإثيوبية وكشفها أمام الرأى العام الأفريقى والدولى، جنباً إلى جنب الجهود الرسمية، ممثلة فى البيانات من الوزارات المعنية أو التصريحات الرسمية للمسئولين المعنيين. وكلما كان الجهد المصرى مستنداً إلى الحقائق التاريخية الثابتة والمعلومات، والمُصاغة بلغة مباشرة، ساعد ذلك على تقوية ودعم الموقف الرسمى، ووفّر مظلة تأييد مطلوبة بشدة أفريقياً ودولياً لأى تحرك قد تُقدم عليه الجهات المعنية، وفقاً للظروف والتطورات.

الموقف الإثيوبى وما يكرره من أكاذيب على هذا النحو يتضمن تناقضاً صارخاً، فهو من حيث الشكل يدين الاستعمار ويدّعى أنه يُصلح أخطاءه، بينما فى الحقيقة إثيوبيا الراهنة نفسها منذ عهد الملك منليك نهاية القرن التاسع عشر، والذى امتد إلى 1913 وبحدودها المتضمنة أراضى الغير فى الصومال وغينيا وكينيا والسودان وفى فترة سابقة إريتريا، هى صنيعة استعمارية بامتياز. والثابت تاريخياً أن هضبة الحبشة فى أوائل عهد منليك لم تكن تمتد إلى حدودها الراهنة، إذ كان هناك صراع بين منليك نفسه ومنافس له يدعى يوهانس على حكم الحبشة، استطاع أن يهزمه ويصبح إمبراطور الحبشة فى حدودها الأصغر عام 1889. ومن خلال توظيف منليك الصراع الأوروبى آنذاك على استعمار أفريقيا، لا سيما بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، ومن خلال استغلال ضعف الدولة العثمانية التى كانت لها ولاية اسمية آنذاك على مصر والسودان، ثم الحماية البريطانية عليهما، تمكن «منليك» من توقيع عدة اتفاقيات مع إيطاليا بعد الانتصار عليها تنازلت فيها عن منطقة الحوض الصومالى للسيادة الحبشية، واتفاقيات مع بريطانيا تنازلت فيها عن منطقة بنى شنقول السودانية 1902، وهناك أراضٍ أخرى كانت تابعة لكل من كينيا وأوغندا، وقد ضُمّت جميعها إلى الحبشة دون وجه حق، إذ كانت دوافع بريطانيا وإيطاليا متعلقة أساساً بالاعتراف بسيادة منليك نظير ألا يساند قوة استعمارية أخرى منافسة تتحرك فى المنطقة ذاتها الممتدة من شمال القارة حتى القرن الأفريقى جنوباً، لاسيما فرنسا وروسيا.

بعبارة أخرى، إن أكذوبة إثيوبيا أنها تصحح الظلم الاستعمارى الواقع عليها بشأن النيل الأزرق، تدحضه حقيقة تشكل دولة إثيوبيا الراهنة نفسها كصنيعة لاتفاقيات استعمارية مُنحت لها أراضى وبشراً وموارد لا تخص ملك الحبشة. وإذا كانت أديس أبابا حسب أكاذيبها تريد إصلاح الأخطاء الاستعمارية، فمن باب أولى أن تعيد بنى شنقول إلى السودان والحوض والأوغادين إلى الصومال والأراضى التى كانت تخص كينيا وأوغندا إلى أصحابها الأصليين. لكنها الدعاية السوداء التى لا تجد من يظهر عوراتها الكبرى.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.