.
.
.
.

الأحلام المدمرة

أحمد الصراف

نشر في: آخر تحديث:

شهد الربع الأول من القرن العشرين أول تجربة إسلامية علمانية فريدة مع إعلان «مصطفى كمال» تركيا دولة ديموقراطية تعتمد الثقافة الغربية نهجاً، وتؤمن بحرية الاعتقاد، قاطعاً بذلك كل صلة بتركيا العثمانية، نهجاً وثوباً وحرفاً.
كانت تلك بداية تقدم تركيا في جميع المجالات. وتبين، كما كتب الأستاذ محمد الرميحي، أن هذه التوليفة، بين الإسلامي والعلماني، هي التي يجب أن تسود في بقية الدول العربية والإسلامية، بديلاً عن الشطط والتشدد والقمع فيها.

أثبتت التجربة التركية نجاحها اقتصادياً وسياسياً، وانفتاحها على العالم، خاصة مع وصول عدد من السياسيين المخلصين لسدة الحكم، بعد فترة عسكرية مضطربة، ومنهم الصديق الراحل «توركوت أوزال»، الذي أصبح رئيساً للجمهورية (1989 ــ 1993)، وكان قبلها رئيساً للوزراء ووزيراً للاقتصاد، وشغل في السبعينيات منصب سفير تركيا في الكويت، عندما تعرفت عليه ودعاني تالياً لزيارة تركيا، حيث كان له الفضل في تبني الإصلاحات الاقتصادية العميقة التي أوصلت تركيا إلى ما أصبحت عليه تالياً.

***

وصل أردوغان إلى سدة الحكم، بعد نجاحه كمحافظ لبلدية إسطنبول، وبدأ عهده معتدلاً متوائماً مع قيم الديموقراطية العلمانية، قاطفاً كل النجاحات التي مهدت لها الحقبة الليبرالية. وبدأت تركيا تثبت للعالم نجاح نموذجها الذي مزجت فيه بين جذورها وثقافتها الإسلامية وتوجهها العلماني، وبينت أن تجربتها أكثر نجاحاً وتألقاً من التجربة الإيرانية، مثلاً، بالرغم من أن الأخيرة أكثر غنى وأكبر حجماً وأكثر سكاناً، ولكن تشددها الديني والمذهبي قبر تقدّمها.

ويقول الأستاذ الرميحي إن الأمر لم يستمر مع أردوغان من أجل إنضاج التجربة وتطويرها، إذ أدخل على الخط شخصانية مقيتة وفقراً في الخيال السياسي. وقد تنبه المقربون له إلى الخلل وإلى محاولاته الاستفراد بالسلطة فابتعدوا عنه. كما كان الإقصاء مصير كل من حاول نصحه بعدم التورط بمشاكل العالم العربي، التي لا تنتهي، ولكن إصراره على ذلك كان بداية تآكل الوضع التركي، وانحداره الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، في الداخل والخارج. وهكذا استنزفت السياسات الخاطئة الطاقة التركية، وأفقرت اقتصادها وزادت من أعدائها، وتخبط قراراتها، بحيث وصل سعر الليرة للحضيض في مقابل الدولار، وكل ذلك نتيجة انشغال القيادة بسياسات شعبوية خطيرة، قافزةً من ملف لآخر؛ من تحويل متحف أيا صوفيا إلى مسجد عام 2020 إلى الانسحاب من أحد أهم الاتفاقات الدولية الإنسانية عام 2021 التي وقعتها في إسطنبول عام 1993، المتعلقة بمنع ومكافحة العنف ضد المرأة، وحدث كل ذلك غالباً بضغط من حلفائه الإخوان المسلمين.

وبالتالي كان مثيراً للاهتمام تحوله الأخير اتجاه مصر، ومنعه القنوات المحرضة ضد السيسي من التمادي في شططها، وهذا دفع البعض للتساؤل عما إذا كانت تلك بداية هجر السيد أردوغان لحلم إحياء السلطنة العثمانية، أم أن المسألة لا تعدو أن تكون تكتيكاً جديداً!

على المراقب الانتظار لمعرفة اتجاه البوصلة التركية، التي نتمنى ابتعادها عن شطط الإخوان وأحلامهم المدمرة.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.