.
.
.
.

مصر.. أولوية السياسة الداخلية

حسن حنفي

نشر في: آخر تحديث:

يبدأ الفكر السياسي في مصر برد الاعتبار للسياسة الداخلية والبناء الداخلي بالإضافة إلى السياسة الخارجية والانتشار الخارجي، فإن ذلك يمثل تقدماً منهجياً في الفكر السياسي في مصر، وأن تتأسس مجلة «قضايا برلمانية» كرصيد «السياسة الدولية» فإن ذلك يكمل جدل الداخل والخارج تجاوز لحساسية الموضوعات الداخلية والأمان السياسي في الموضوعات الخارجية.
ولا تعني السياسة الداخلية فحسب تحليل المؤسسات والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والإعلامية والتعليمية وأنساق القيم ومعايير الأخلاق. إنما تعني التجربة والممارسات الوطنية، الإحساس الداخلي للمواطن، الولاء الوطني، المصالح العامة التي سماها الطهطاوي المنافع العمومية. يعني الداخل السياسة في بدايتها في التعليم العام وفي الممارسات الطلابية الجامعية وفي حياة الأحزاب السياسية وفي المشاركة الشعبية في الانتخابات للمجالس المحلية والتشريعية والرئاسية. السياسة الداخلية تعني الروح قبل أن يتحول إلى تشريعات، والرؤية قبل أن تصبح قوانين، والتجربة الحية للوطن وللمواطن قبل أن تتحول إلى نظم ولوائح. السياسة الداخلية هي التربة التي ينشأ فيها الزرع والسيقان التي تورق الأوراق والثمار في السياسة الخارجية.
السياسة الداخلية أقرب إلى الفلسفة السياسية التي تضع المبادئ العامة التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، والسلطة بالجماهير، وتبحث في أسس العقد الاجتماعي وأنواعه، في طبيعة العدل والدرجة المسموح بها في التفاوت الطبقي، وفي كيفية توزيع الدخل القومي على مجموع المواطنين لتحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة والعدالة الاجتماعية، وفي التعددية السياسية وحق الاختلاف، والتوازن بين الحقوق والواجبات الذي يكفله الدستور. السياسة الداخلية هي الحياة السياسية في كافة نشاطاتها، حكومة ومعارضة، الجمعية السياسية التي تظهر في الأدب والفن وفي الأمثال العامية. بل وفي النكات الشعبية.
السياسة الداخلية هي الوعاء الذي تنطلق منه السياسة الخارجية، والتربة التي فيها تنبت التشريعات والقوانين، الروح قبل البدن، والفكر قبل الواقع، والإمكان قبل الفعل، والتأهيل قبل المهنة. إن نشأة القوانين ليست فقط من الحق الطبيعي العقلي الثابت الأبدي الأزلي، ولا من مصالح الطبقات المتغيرة والمتضاربة، ولا من المصالح العامة التي تتجاوز الصراع الطبقي بل من التجارب الوطنية التاريخية الحية التي تكوّن الرصيد الأول للوعي السياسي والتاريخي للأمة. إنها خبرة السنين الطويلة التي عبّر عنها كل شعب بحكمته في أمثاله العامية وآدابه الشعبية وفي سلوكه اليومي غير المدون، في التحضر والتمدن وعمران الأرض والبقاء في التاريخ.
ومن الواضح أن أحد أسباب العثرة في أواخر القرن الماضي في تاريخ مصر السياسي المعاصر هو الانكفاء على الذات بعد 1970 تحولاً من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الثانية، من إعطاء الأولوية للسياسة الخارجية- التحرر العربي، الوحدة العربية، القومية العربية، دور مصر في أفريقيا وآسيا، مسئولياتها عن الجزائر واليمن، ونضالهما من أجل الاستقلال- على السياسة الداخلية خاصة على مستوى الحريات العامة والتنظيمات الشعبية والتساهل مع الطبقات الجديدة ورأس المال الطفيلي تحت غطاء الشعارات السياسية والخطاب السياسي الجماهيري. وأن أحد أسباب شرعية الجمهورية الثالثة هي إعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة التي طالما كان المواطنون يغنون بها مقارنة بالدول الحديثة في الخليج أو حتى في ليبيا الشقيقة. فإذا كانت الجمهورية الأولى قد أعطت الأولوية للسياسة الخارجية فإن الجمهورية الثالثة قد أعطت الأولوية للسياسة الداخلية فقد كانت حرب أكتوبر آخر الحروب، وأصبح السلام خياراً استراتيجياً بعد أن دخلت مصر أربع حروب على الحدود وتساندت عدة حروب أخرى ما وراء الحدود.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.