.
.
.
.

رسائل مخيفة قادمة من «كابول»!

أسامة سرايا

نشر في: آخر تحديث:

لم نكتفِ بـالجائحة العالمية، التى ألمت بالعالم كله، لنخاف، ونرتدع، ونمشى على صراط مستقيم، ونعيد تدوير الزوايا، والهيكلة، والبناء عليهما فى مؤسساتنا، ونعطى للصحة، والتعليم، والثقافة العامة مكانتها المتقدمة، فى منظومة حماية المجتمعات من المخاطر، فإن سقوط الدول، والبلدان، بعد الوباء، كان متوقعا، وهز بلادا عديدة. حتى جاء الشهران الماضيان القياسيان فى ارتفاع درجات الحرارة، والتغير المناخى، الذى هز العالم، وما صاحبه من زلزال الحرائق، والانهيارات المتتابعة، والكوارث الإنسانية، التى ألمت بعواصم عديدة فى كبرى البلدان، أما نحن، فى شرقنا العربى، والإسلامى، فنعيش على وقع زلازل أخرى، مازلنا نترقب توابعها المقبلة، وهى، هذه المرة، ليست مقبلة من الطبيعة، أو البيئة وحدها، أو من الكوارث الصحية المعقدة، ولكن من عقول ورِثت فكر التطرف، والإرهاب، والسعى به للسيطرة، والحكم، والعودة ببلدانها إلى القرون الوسطى، وقتل النفوس، والبشر على الهوية، والعقيدة، بلا رحمة، أو إنسانية، وأشاعت فى عالمنا حالة من الرعب، ومحاولة هز الثقة فى الأديان، مع كسر الولاء للوطن، وكنا نتصور، بعد أعوام من القسوة، والتدهور، أننا مقبلون على التغيير، وإعادة تشغيل العقل للإنقاذ، والبناء. فإذا بنا نعيش على وقع طبول انهيار قادم للمنطقة فى كابول، عاصمة أفغانستان، مَعقِل التطرف الإقليمى، الآن، تحت مسمى حركة طالبان، التى تربت فى باكستان، وهاجرت إلى أفغانستان، وسيطرت هناك، لإقامة نموذجها، دولة خارج التاريخ، قَدِمَ لها كل مغامر، وكل تنظيم دينى متطرف، يبحث عن إقامة دولة إسلامية على مقاييسه وحده، حتى انضم تنظيم القاعدة إلى طالبان، ومنها، منذ 20 عاما، خرجت قافلة إرهابية هزت العالم، وضربت نيويورك، وواشنطن، وأسقطت برجى التجارة العالمية، فى مشهد لم تر له الإنسانية، أو عالمنا، مثيلا له من قبل، وظل مَضرِبا للأمثال، والمخاوف المقبلة من الصراعات، والعقول، والأديان، وبعدها شهدت منطقتنا حروبا أمريكية، شملت أفغانستان، والعراق، ومنهما انتقلت إلى سوريا، ولبنان، ودخلت فى مواجهة بين الشرق والغرب، متمثلة فى الجناح الإيرانى، الذى تَكوّن لمواجهة هذه الهجمة، أو الحرب، وتداعياتها، ودخلت الدولة الدينية الثيوقراطية، التى قامت بإيران، فى قلب منطقتنا، فى عام ١٩٧٩، بعد سقوط الشاه، ودولته، المزعومة، غربيا، وصعود الخمينية، وما أعقبها من تغيرات ثقيلة فى الشرق الأوسط، أوجدت شكلا جديدا، عرفته منطقتنا منذ 40 عاما، للتطرف الدينى الشيعى، هذه السلالة الجديدة كان لها تداعياتها على كل إقليم الشرق الأوسط، فقد ظهر من يحمل لواء الدفاع عن المستضعفين لإقامة دولتهم، أو أحزابهم الدينية المعروفة، وإعادة بعث دورهم الإقليمى، وحدثت الانهيارات المتعاقبة فى العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، ومحاولات أخرى فى دول عديدة تنتظر دورها فى هذا المسار المخيف، الذى يحدث بين الحين والآخر.. وها نحن، بعد ٢٠ عاما، من هذه الحروب، نشهد اقتراب قيام سلالة جديدة، أو دولة دينية معروفة بتوجهاتها، فى أفغانستان، بعد جلاء القوات الأمريكية عن هذا البلد، ولا نعرف إن كان هذا انسحابا من الهزيمة، واعترافا بالفشل المزرى، بعد هذه السنوات العشرين للحرب الثقيلة الوقع على هذه البلاد، وعلى المنطقة كلها أم ماذا؟!، ورغم أى مسميات، فنحن نشهد واقعا جديدا؛ أن الأمريكيين سلموا البلد لحكومة ضعيفة، لم تستطع أن تصمد أمام ما يحدث هناك، فنشهد، يوميا، تراجعا، بل سقوطا مزريا، لمدينة تلو الأخرى، وقصرا وراء الآخر، ومطارا وراء مطار، وسيادة لـطالبان، هذا الوجه، الذى لم يحاول يوما تجميل شكله، أو تغيير موقعه من الإعراب، والرؤية لشكل الدولة، التى يريدها لأفغانستان، والمنطقة من حولها. وهكذا نرى أفغانستان وهى تتهيأ لإعادة استقبال المتطرفين فى كل مكان من الشرق الأوسط، بل من العالم كله، وكأننا لم نشهد حربا أمريكية على شعوب منطقتنا، على العراق، وأفغانستان، فماذا فعلت الحرب للأفغان، والعراقيين؟.. هل اكتفت بالقضاء على أسامة بن لادن فى معركة خاطفة فى باكستان، أو إعدام صدام حسين فى محفل إيرانى فى عيد الأضحي؟.. وماذا سيحكم التاريخ على الحرب الأمريكية فى الشرق الأوسط؟.. إننا لا يهمنا الآن حكم التاريخ، لكننا نبحث فى الواقع الجغرافى، والثقافى، الذى ستولده، حال عودة طالبان لحكم أفغانستان، وها هى قد استولت على أكثر من ٦٠% من المدن، وتدق الأبواب إلى كابول، بل تترك المتعاونين مع الأمريكيين والحكومة السابقة، لكى يخرجوا من المدن خروجا آمنا. ولكل يترقب مسار الحكم فى هذا البلد ذى الجغرافية المتحكمة، فهناك قوى كبرى تتنازع الوجود: الروس، والصينيون، والأمريكان.. وقوى إقليمية أخرى تبحث لها عن موضع قدم، هى إيران، التى تحاول استثمار مساعداتها لحركة طالبان للوجود هناك، وتركيا، التى تتفاوض لتكون فى المطار، وتغازل طالبان، كما أن باكستان لم تغلق ملفاتها القديمة، وها هى طالبان تحقق إستراتيجيتها الجهنمية فى هذا البلد، رغم أنف القوى العظمى: الأمريكية، والروسية. يجب على الأمريكان الاعتراف بفشلهم فى بناء دولة، أو جيش، فى أفغانستان، أو حتى حركة لمواجهة الإرهاب، والتطرف، وها هى تسحب منها كل عملائها، لتترك أفغانستان رهينة فى أيدى المتطرفين، فعلينا أن نترقب تداعيات أكبر فى هذه المنطقة الحيوية من العالم، وعلينا، نحن العرب، الأكثر تضررا من كل الحركات الإرهابية، والمتطرفة، إعادة النظر، والاستعداد لما هو مقبل من أفغانستان، فقد كنا ننتظر تحجيما للتطرف، والإرهاب المقبل من إيران، فإذا بالأمريكان يتركون لنا وحشا جديدا فى أفغانستان، ولعل هذه أبرز رسالة نعرفها جميعا فى كل بلداننا، أن مواجهة التطرف، والإرهاب، والإرهابيين، مسئولية وطنية بحتة، ويجب أن ندفع ضريبتها وحدنا، وألا ننتظر مساعدات من الغرب، أو من الأمريكان.. وهكذا، فبناء المؤسسات الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، مسئولية وطنية بحتة، ولن تستطيع أى قوة احتلال غربى، أو أمريكى، أن تحل، أو تفتح، ملفات فى هذه المواجهة الحادة، وتداعياتها..

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.