الدستور.. وضرورات الترشيد

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لست من الذين يحيطون الدستور بأبهة لا تمس وكأنه متشرب بمضمون القدسية تشبهاً برسالة الأنبياء، ولست مع الذين يرون أن المناقشة عن ترشيد بعض الاستجوابات ستفتح منافذ التصدع والفوضوية في حياة الكويت السياسية والاجتماعية، وقد تبعثر الصلابة في الجبهة الداخلية، بينما النصوص في الدستور، لا سيما في المادتين الـ174 والـ175، تفتح الخيار لسمو الأمير بموافقة ثلث أعضاء المجلس للتداول حول الدستور، خصوصاً في ضوء ما قد برز من أثقال من ممارسة الاستجواب، ومن تعقيدات أصابت خطة التجديد والتطوير وخرجت منها توترات أضرت بحيوية المجتمع وشوهت المسرحين السياسي والاجتماعي.
ورغم أن السلطة التنفيذية عبرت عن غياب الارتياح من المشاكسات المعطلة في واقعتين، تأجلت فيهما أعمال المجلس عبر التعليق في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ودعت حكومة الكويت آنذاك إلى تشكيل لجنة أهلية لتقديم مقترحات في النقد والتقييم والتجديد، بما فيها ضمانات للمزيد من الحرية والمساواة وتأمين الاستقرار وصون دروب التنمية والتطوير، فإن الحكومة تركت للجنة حرية العمل والتصرف، ولم تقدم مرئياتها مستخلصة من التجارب ومن معاناتها من التعطيل والتأجيل، وإنما ابتعدت تراقب من دون تدخل بقناعة في موقفها السلبي.

أخفقت الحكومة في ذلك الموقف السلبي، وظهرت إفرازات من التباعد في الحياة السياسية والاجتماعية خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وبدلاً من فتح الحوارات الجادة لمعالجة الوضع المتأزم، تصاعد التباعد، كما تمثل في فترة العبور القصير للمجلس الوطني، وكانت حكومة التنكيل والتقتيل في بغداد تراقب وتتسلل وتبتز، حتى انفجار الوضع في الثاني من أغسطس 1990، اقتناعاً من نظام صدام بأن عملية الغزو ستجد من يسعفها من المواطنين.

استغل سفاح بغداد صدام حسين تباعد الجبهة الداخلية الكويتية، متصوراً أن فضاء الكويت المشحون مناسب لتحقيق أطماعه، وقد يرافقه صمت المتخوفين.

تذكرت هذا الشريط البشع عند متابعتي مداولات الاستجواب الذي كان من نصيب وزير الدفاع الشيخ حمد جابر العلي الصباح، وأكثر ما أثارني فيه السهولة التي يقف فيها الوزير على -منصة الاستجواب- من دون مبررات تستجيب للمنطق مع استغراب من التحاق سريع من النواب بموكب النائب المستجوب، في مظاهرة لا تتوقف لفحص أهلية الاستجواب وجودة محتواه، وفي تجاهل كامل للآثار السلبية على شكل الدولة وعلى حياة المجتمع وعلى أحكام العقلانية.

وما يقلقني والمتابعين لتلك المداولات غياب الدور الذي يجب أن يقوم به مكتب الرئاسة في حماية مبادئ الدستور ووقايتها من الاستخفاف بأبعاده، فمكتب المجلس يتشكل من الرئيس ونائبه والمراقب وآخرين من رؤساء اللجان، ومسؤوليته الإشراف على جداول الأعمال وعلى لياقتها وشرعيتها وتأمين سلامة قواعد العمل البرلماني وفق اللوائح التي تنظم عمل المجلس، ومن حق المكتب إبعاد كل ما يؤذي التجربة الكويتية.

ومن خلال المسار الذي بدأ في الستينيات في العمل البرلماني، ظهرت ملاحظات حول الإجراءات التي تضمها اللائحة الداخلية للمجلس، ففيها ما لا يتناسب مع قواعد التقاليد الكويتية، وليست لها علاقة بقواعد التعامل بين الكويتيين، وأتصور أنها من أفكار المستشارين، خصوصاً في المادة التي تتطلب نائباً يدافع عن الوزير ونائباً آخر يتبنى الاستجواب ويساند المستجوب، في منظر يشبه سلوكيات المسارح، فلا توجد في البرلمانات العالمية هذه الظاهرة الفريدة، فالحالة الكويتية لها إيقاع خاص في تقاليدها وفي ترابط مجتمعها، وهذه المسرحية لا تضيف شيئاً سوى تسخين مسرح الاستجواب.

ومن أجل حماية النقاوة الداخلية، وحفاظاً على جدية المسؤولية، وسعياً لترسيخ المسار البرلماني المتزن، وتأميناً لوقار البرلمان، فلا بد أن يأتي طلب الاستجواب من عشرة نواب على الأقل، وليس من نائب واحد جاء تحركه من تعطل مسيرته الخدماتية في التوسط والتوظيف ومن استثقال دم الوزير ومواجهته لأسباب لا مصلحة للوطن فيها.

وفوق ذلك يجب أن يكون طرح الثقة معتمداً من عشرين نائباً على الأقل، والغرض من هذا المسعى هو تحقيق قناعة واسعة داخل المجلس متنوعة المشارب ومؤمنة بأن طرح الثقة يحمل معه المبررات في عدم أهلية الوزير وفي عجزه عن الإنجاز وغياب احترامه للقانون وانعدام أهليته للعمل السياسي والوزاري.

ظلت الحالة المتعلقة بالاستجواب على وضعها من دون تغيير منذ اليوم الأول، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، فلم تبرز في السنوات الأولى التعصبية الثقيلة التي تضخمت مع تزايد الاستسهال في طرح الاستجواب بعد أن زاد عدد نواب الخدمات وتصاعد اعتمادهم على شهامة ومرونة الوزراء في توفير ما يريدون، وصار الاستجواب وليد اعتراض الوزير على الاستجابة لما يريده النائب رغم مخالفتها القانون.

كما لم يأت على بال السلطة التنفيذية أن يرتفع اللجوء إلى هذه المادة وتنفتح شهية النواب للاستنجاد بها اعتماداً على معرفة النائب بأن تكاليفها لن تكون عليه، وإنما ستصيب خطة التطوير ودروب التنمية وديناميكية تحرك السلطة في متابعة تحقيق البرامج.

وجاء حصاد المجتمع الكويتي من الإسراف في اللجوء إلى الاستجواب وسهولة ترتيباته ومروره بلا قيود، تمثل في نفور العناصر اللائقة وابتعاد المؤهلين من المشاركة الوزارية، مهما كانت قوة مشاعرهم الوطنية.

ومن الطبيعي وجود اجتهادات متباينة في الرأي حول صيغة الاستجواب الحالية، فالتعددية في المواقف وتنوع المساعي والإجراءات مكسب صحي للمجتمع الكويتي، لكن السلبية هي إحاطة الدستور بحماية التحريم مع تجريم لمن يحمل اجتهادات قد تضيف الاستقرار والأمان للعمل البرلماني، فكلنا مع ضرورات التطوير ونرغب في دوام صحبة المستجدات، ولا ضرر من تعددية في الاجتهادات، فالدول تجدد دساتيرها وفق إملاءات الضرورة في المواكبة واللحاق بأحكام التطوير والتناغم مع المفيد.

ولا جدال أن تجربة الكويت الفريدة في نصوص دستورها وفي جغرافيتها وفي متانة تلاحم مجتمعها تبحث عن مصدات تنبع من رحم الدستور تضعف الاستنجاد السريع بصيغة الاستجواب الحالية، والهدف من ترشيد هذه الممارسة هو الحرص على الخروج بدستور حيوي يتناغم مع الإيقاع السياسي والاجتماعي الكويتي ويصب في مسار الأمن والاستقرار.

وما أثار استغرابي في استجواب وزير الدفاع الأخير هو ما اتخذته مجموعة «حدس» من موقف فيه مضاربة تجارية ربحية واضحة، في تجنيد أصوات نوابها لصفقة الاسكان في تقليد شاطر لصيغة أسواق البازار في المساومة واقتطاف الثمار.

ولأنني من الذين يثمنون الجانب الدعوي لجمعية الإصلاح، أجد إزعاجاً من ذهنية المرابحة التي أجادت إخراجها مجموعة «حدس»، وواضح أن مسار استجوابات المستقبل سيكرر مبدأ حصاد المنافع الذي دشنته مجموعة «حدس».

من الواضح الحاجة الملحة لعلاقات تفاهم بين المجلس والحكومة تشمل جميع الملفات تتولد من حوارات تتناول آليات الاستجواب بما فيها حق الحكومة للتصويت عند طرح الثقة في وزرائها، فالدستور الكويتي نابع من مبدأ الشراكة في إدارة الوطن، تلتقي فيه الشرعية التاريخية مع حق أبناء الشعب في رسم حياتهم في حرية الاختيار، وتحييد الموقف الحكومي حول مصير الوزير الوظيفي لا يلتقي مع مفهوم شراكة الحكم التي جسدها الدستور.

* نقلا عن " القبس "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.