هزيمة جماعية في العراق أفضل من انهيار النظام
حين هرب المنتصرون في الانتخابات التشريعية العراقية التي أجريت عام 2021 من استحقاقهم كانوا يخططون لما هو أسوأ من الخسارة. ذلك ما أدركه الخاسرون الذين توقع بعضهم أن تخلي المنتصرين عن انتصارهم سيسعدهم في حين شكل ذلك التخلي عبئاً صار التفكير في تبعاته السيئة يحتل الجزء الأكبر من محاولة إنقاذ النظام السياسي من السقوط رغم أن الطبقة السياسية الحاكمة على يقين من أن العراق يعيش حالة خواء سياسي وأن سقوط النظام معناه الذهاب إلى الفوضى.
فليست هناك جهة عسكرية أو مدنية قادرة على الأمساك بالحكم والقفز إلى السلطة. ولأن الطبقة السياسية تتكون من أفراد حزبيين يغلب عليهم الجهل وفقر الخيال، فإنها تظل مرتبطة بما يقرره زعماؤها الذين صاروا على دراية بالحلول التقليدية التي من شأنها أن تبقي الشعب في حالة من الخوف من الوقوع في ما هو أسوأ. تلك حرب نفسية تستند إلى وقائع سنوات الرعب التي عاشها الشعب العراقي حين كانت فرق الموت تمارس مهماتها القذرة في ظل وجود القوات الأميركية.
لقد شهدت المراحل السابقة من عمر النظام الحالي خلافات بين الأحزاب، كان بعضها عنيفاً كالأزمة التي أحدثها الاستفتاء الكردي على الانفصال عام 2017 والتي أدت في النهاية إلى أن يعتزل الزعيم الكردي مسعود البرزاني السياسة موقتاً، غير أن تلك الخلافات كانت تُحل من خلال العودة إلى تسويات لم تكن بعيدة من جوهر النظام القائم على المحاصصة. فما يفقده طرف ما في مجال معين يتم تعويضه في مجال آخر بطريقة تُعيد الأمور إلى نصابها بحيث يتم القفز على الخسائر من خلال أرباح يشعر الطرف الخاسر معها بالانشداد أكثر إلى النظام الذي يرعى مصالحه.
لقد غطى الأكراد من خلال هزيمتهم في استفتاء الانفصال على استقلالهم النفطي الذي يجلب لهم عشرات المليارات سنوياً التي هي في حقيقتها من حق الشعب العراقي ويجب أن تذهب دستورياً إلى خزانة الدولة الاتحادية. ذلك ليس سوى مثال من مئات الأمثلة على الطريقة التي يدير سياسيو العراق من خلالها أزماتهم التي تنشأ من تضارب المصالح ومن رغبة هذا الطرف أو ذاك في ابتزاز الأطراف الأخرى التي لا تقوى على التمنع بسبب معرفتها بهشاشة النظام وضعف مرتكزاته الوطنية.
غير أن كل التقنيات التي تم استعمالها في حل أزمات المراحل السابقة لن تكون صالحة لحل أزمة النظام الحالية. فالخلاف اليوم ليس شيعياً - شيعياً ليتم احتواؤه من خلال العودة إلى شروط المظلومية المشتركة، وليس خلاقاً شيعياً - كردياً لينتهي باقتسام المصالح وتبادل المنافع، كما أنه ليس خلافاً شيعياً - سنياً ليُصلح من طريق التهديد بإلغاء امتيازات الطبقة السياسية السنية التي أثرت في وقت قياسي. إنه خلاف تورط مقتدى الصدر في توسيعه حين أخرجه من دائرة النزاعات الحزبية وأضفى عليه طابعاً وطنياً فصار نزاعاً بين الشعب والفاسدين. فهو حين وهب أصوات أنصاره إلى الفاسدين كان يُبلغ أولئك الأنصار بأن أصواتهم قد تمت سرقتها بطريقة جديدة وأن عليهم أن يستعيدوا تلك الأصوات لينزعوا الشرعية عن أي حكومة مقبلة.
لقد أعاد الصدر الأوضاع إلى ما كانت عليه يوم كانت الاحتجاجات الشعبية في أوجها وكان النظام على وشك الانهيار النهائي. ذلك هو أشد ما يخشاه فرقاء العمل السياسي الذين صدمهم الصدر بانسحابه، بغض النظر عن موقفهم منه. فالأكراد والسنة وهما الطرفان اللذان سبق لهما أن تحالفا مع الصدر لا يملكان اليوم سوى أن يتحالفا مع خصمه نوري المالكي الذي يدرك جيداً أن كل صوت يحتج على الفساد انما هو موجه له. لذلك فإن المالكي رغم إصابته بمرض الزعامة صار يخشى أن يتصدر المشهد السياسي ثانية. ذلك انتصار موقت للصدر قد يُكلل بعجز أحزاب النظام عن الوصول إلى حل لأزمتها الحالية وهو ما يمهد لانهيار النظام الطائفي.
فهل وصلنا إلى مرحلة الحل السحري الذي لم يتوقع وقوعه أحد؟
إن أصر الصدر على موقفه الرافض للاشتراك في السلطتين التشريعية والتنفيذية فإن ذلك معناه الذهاب إلى انتخابات جديدة سيكون إجراؤها أمراً في غاية الصعوبة لما تتطلبه من نفقات مالية واستعدادات تنظيمية، أما إذا تراجع عن ذلك الموقف كلياً أو جزئياً من خلال الإشتراك في الحكومة المقبلة فإنه سيهب خصومه فرصة ذهبية لنزع مصداقيته في الدعوة إلى الحرب على الفساد.
وفي الحالين فإن الإنسداد السياسي سيؤدي إلى توسيع دائرة النزاع بما يجعل الأزمة غير قابلة للحل بالأساليب التقليدية. وهو ما يعني أن النظام سيظل عاجزاً عن تعويض خساراته من الداخل في مواجهة احتجاجات مليونية قد يلجأ الصدر إلى تأجيجها في حال استمرار الأحزاب في المراوحة في مكانها من غير الوصول إلى اتفاقات ينتج منها تشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة مصطفى الكاظمي.
ولأن ذلك المخطط صار مكشوفاً فإن الأحزاب قد ترضى بأن يتساوى الجميع في الهزيمة من أجل الحفاظ على استمرار النظام وذلك من خلال التجديد للكاظمي في ولاية ثانية.
نقلا عن "النهار"