أزمة الإعلام الأميركي وعودة السي إن إن
"لقد فقد الكثير من الناس الثقة في وسائل الإعلام".. هكذا بدأ رئيس شبكة السي إن إن CNN الجديد كريس ليخت يومه الأول في مايو والتي يعمل فيها ما يقارب 4000 موظف.
وفي الحقيقة جاءت هذه العبارة متناسقة مع استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجع الثقة في وسائل الإعلام بشكل غير مسبوق، بحسب غالوب، وإذا استمر هذا الخط المتراجع فإننا بحلول 2030 ربما نجد أن صفرا في المائة من المستطلعة آراؤهم هو من يثق في وسائل الإعلام الأميركية على وجه الخصوص.
حسابيا هذا هو الخط الذي تتجه إليه البيانات، حيث في عام 1979 قال 51 بالمائة من المستطلعين إن لديهم "ثقة كبيرة أو "قدرًا كبيرًا من الثقة" في الصحافة اليومية، ولكن في أحدث استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في يوليو من هذا العام، انخفض الرقم إلى 16 في المائة فقط هم العدد الذي يثق في الصحافة، مسجلاً تراجعاً حادًا استمر أربعة عقود. والأخطر في ذلك أن الثقة في الأخبار التلفزيونية أسوأ بكثير، حيث انخفضت من 46 في المائة عام 1991 إلى 11 في المائة اليوم فقط، وهي نتيجة تكشف أن وسائل الإعلام الأميركية تعيش في أزمة.
هذه لمحة بسيطة لكيفية رؤية المشاهد الأميركي لوسائل الإعلام، وفي الحقيقة ليست شبكة السي إن إن استثناء من هذه النتائج، فقد انهارت أرقام المشاهدين بعد خروج الرئيس الأميركي السابق من المشهد، وهو الأمر الذي دفع برئيسها السابق جيف زوكر إلى الاستقالة، حيث قيل إن السي إن إن انتعشت في عهده بسبب فترة الرئيس ترمب.
أما في استقالة زوكر فالعناوين الرئيسية تقول إنها بسبب علاقته التي لم يفصح عنها مع مديرة التسويق اليسون غولست، وهو أمر خالف فيه قواعد الشركة، وهي فضيحة أثارت المدافعين عن الشبكة والخصوم، لكن في عالم الإعلام الأميركي تحديدا تعتبر علاقة زوكر مع غولت سرا مكشوفا ثم أصبحت سرا ملتهبا قبل الاستقالة بأيام، في المقابل هناك الكثير من التكهنات الوجيهة تعتقد أن استقالة زوكر كانت لا مفر منها نظرا لعدة أسباب، منها الاندماج المخطط له لشركة وارنر ميديا مع ديسكفري WarnerMedia مع Discovery هذا العام، بالإضافة إلى أن الشبكة تواجه دعوى قضائية محتملة بـ120 مليون دولار تتعلق بطرد المذيع كريس كومو بسبب تورطه مع شقيقه حاكم نيويورك السابق في التستر على فضائحه. والأسوأ هو انتقاد جون مالون قطب الإعلام والذي يمتلك حصة كبيرة في ديسكفري، علنًا إدارة الـ CNN تحت قيادة السيد زوكر، وبالتالي خلق هذا الوضع المعقد ضجة كبيرة بين موظفي CNN الذين اغتاضوا من خروج زوكر وفكرة أن كومو سيحصل على مبلغ ضخم جراء إنهاء خدمته رغم خرقه للمعايير الصحفية المتعلقة بتغطية أخيه.
أنا أتفق مع هذه الروايات، وفي اعتقادي أن هذه العوامل عجلت برحيل زوكر ونهاية مرحلة استقطابية حادة لم يشهدها المتلقي الأميركي منذ تأسيس القناة عام 1980.
ولنعود إلى الرئيس الجديد كريس ليخت ونظريته لاستعادة ثقة الجمهور، وهي في ظني أنها مهمة معقدة لكنها ليست مستحيلة، حيث يمتلك ليخت رؤية جديدة للشبكة وهو إعلامي من طراز رفيع وكان منتجا في شبكة CBS وأشرف على العديد من البرامج الناجحة أبرزها CBS هذا الصباح.
وبحسب مذكرته التي وزعها على الموظفين في أول يوم، يريد ليخت تركيز تقارير الشبكة على الأخبار و"الحقيقة" بدلا من تركيز الشبكة على البرامج المستندة إلى الرأي والتي حولت الشبكة إلى جناح سياسي ضد آخر.
وفي بيانه أعلن أنه قادر على استعادة ثقة الجمهور قائلا "أعتقد أننا يمكن أن نكون منارة لاستعادة تلك الثقة من خلال كوننا منظمة تجسد أفضل خصائص الصحافة، وهي التحدث عن الحقيقة للسلطة بدون خوف، وتحدي الوضع الراهن، والتشكيك في" التفكير الجماعي" وتثقيف المشاهدين والقراء بالحقائق المباشرة والتعليقات الحكيمة مع الاحترام الدائم لوجهات النظر المختلفة، واشترط للوصول إلى هدفه بالقول "أولاً وقبل كل شيء يجب علينا وسنكون دعاة للحقيقة".
وأعتقد أن هذه الاستراتيجية الواضحة تمثل خارطة طريق لاستعادة أمجاد الشبكة رغم الهجوم الحاد الذي يتعرض له ليخت حاليا من قبل أقصى اليسار والدعوات لمقاطعة الشبكة.
ويبقى السؤال هل يستمر ليخت في هذه المنهجية الجديدة ويغير جلد القناة رغم الضغوط؟ في الحقيقة يجب أن نعرف أن من اختار ليخت هو ديفيد زسلاف الرئيس التنفيذي الجديد لشركة وارنر وديسكفري المدمجة، وهي الشركة الأم الجديدة لشبكة CNN.
وفي وقت سابق من هذا العام أخبر زاسلاف الموظفين أنه يريد من سي إن إن أن تركز على الحقائق وتميز نفسها عن صناعة الأخبار الكبلية التي يقول إنها تحتكرها "الشبكات المنحازة"، مضيفا أنه إذا تحقق ذلك فيمكن أن يكون لدينا مجتمع متحضر، وبدون ذلك وإذا أصبح كل شيء منحازا أو مناصرا لجهة ما فليس لدينا مجتمع متحضر.
وهي من وجهة نظري تعليقات تدل على فهم بعمق المشكلة التي تعاني منها الشبكة، فهو لا يريد أن تصبح الشبكة أداة سياسية لأحد الأحزاب أو يتم تحويلها لسلاح ضد الآخرين وإنما يريدها أن تصبح مصدرا محايدا للحقيقة بكل تجلياتها وموقعا للتثقيف وتنوير القراء والمشاهدين.
وفي هذا الاتجاه أيضا أعلن قطب الإعلام الملياردير جون مالون والمقرب من زاسلاف وعضو مجلس إدارة الشركة المندمجة شبكة CNN خلال مقابلة مع سي إن بي سي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي دعمه للرؤية الجديدة وقال: "أود أن أرى سي إن إن تتطور مرة أخرى إلى نوع الصحافة التي بدأت بها، ولديها بالفعل صحفيون، وهذا سيكون فريدًا ومنعشًا".
على أي حال، لقد بدأ ليخت بخطوات مدروسة في هذا الاتجاه بدعم من قياداته العليا، وقام بإغلاق برامج كانت قوية مثل برنامج مصادر موثوقة وتسريح صحافيين كبار مثل مراسل البيت الأبيض جون هاورد بسبب تصريحاته الحادة ضد الجمهوريين، وتوعد بالمزيد ولكن من وجهة نظري أن الاختبار الحقيقي لعودة القناة إلى خطها الحيادي هي عودة ترمب إلى البيت الأبيض 2024 أو فوز مرشح جمهوري آخر بالرئاسة، وهو ما سيحدد مستقبل الشبكة للسنوات المقبلة.