من المستفيد من نشر الأحقاد
كثيرة هي الكتابات التي تطرقت لخبر وفاة الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، بعضها كان يرثيها والبعض كان يرثي حقبة زمنية عاشها، وآخرون انتقدوا بريطانيا الاستعمارية من خلالها ومع تفهمي لانتقادات البعض لحقبة الاستعمار البريطاني إلا أن هناك زاوية أخرى لم يتم الالتفات لها، فهناك من لمح أو تطرق بشكل مباشر للنظام الملكي البريطاني مثل الأستاذة بجامعة هارفرد مايا جاسانوف عبر مقالها في نيويورك تايمز والتي بعد أن استخفت بالتقاليد والسيرة الملكية ختمت مقالها بهذه الجملة "غير أن النظام الملكي مازال قائما"، لذلك لن أتطرق أو أكرر ما كتب في الأسبوع الماضي لكني سأتطرق لموضوع يجب أن ندرك أبعاده، وهو محاولات بعض التيارات والشبكات والحركات اليسارية وغيرهم إنهاء أحد أبرز وأنجح نماذج الحكم وهي الأنظمة الملكية بمختلف أشكالها.
ومثل ما أن هناك أشكالاً مختلفة لأنظمة الحكم في العالم مثل الأنظمة الجمهورية أو العسكرية أو رئاسية أو دولة الحزب الواحد، ومنهم الناجحون ومنهم دون ذلك، فهناك أيضا انظمة ملكية في مختلف مناطق العالم سواء في أوروبا مثل بريطانيا والسويد وإسبانيا وفي بعض الدول العربية وفي مناطق مختلفة من العالم، إلا أن ما يميز مختلف أشكال الأنظمة الملكية أنها تعزز من استقرار الدول وترسخ لعلاقات ثابته تزيد قيمتها في أوقات التحولات العالمية والتقلبات السياسية وانعدام الثقة دوليا.
إلا أن هناك استهدافا واضحا للأنظمة الملكية بمختلف أشكالها لا لأدائها أو نجاحها أو فشلها إنما فقط لشكلها، فمن يستهدف الأنظمة الملكية يراها غير عادلة في شكلها لا في أدائها حتى وإن كان من بين هذه الأنظمة العديد من النماذج الناجحة والمستقرة أكثر بكثير من بقية أنظمة الحكم مثل بعض الجمهوريات أو الأنظمة العسكرية أو الأنظمة الرئاسية التي تمر بتقلبات كل ما ينتقل فيها الحكم سواء عبر انتخابات حزبية أو شعبية او انقلابات عسكرية من دون أي مرجعية تعطي بعض الثبات أو الحد الأدنى من المألوف والمتوقع.
هذا لا يعني أن هذا النموذج شر بشكل مطلق أو خير بشكل مطلق ولكن هذا ما يقوله من يحاول إسقاط الأنظمة الملكية لأسباب شكلية لا عملية، وكأنها شر مطلق وسبب أساسي لعدم المساواة والظلم ومتجاهلين أن كثيرا من هذه الأنظمة الملكية هي الضامن الأساسي لأسس التعايش السلمي والتسامح في مجتمعاتها وهي من يقف خلف تأسيس المؤسسات الحامية للحريات والمساواة والعدالة سواء عبر دساتيرها أو توجيهاتها التي تحول كثير منها لمؤسسات راسخة.
وبينما نشاهد تفكك كثير من الجمهوريات وسقوط كثير منها عند اول امتحان (وهناك نماذج جمهورية ناجحة أيضا)، نجد بالمقابل أنظمة ملكية عمرها مئات السنين (على سبيل المثال تأسست الدولة الخليفية وحكمها الملكي من ١٧٦٢ في الزبارة والبحرين ١٧٨٢) ساهمت هذه الأنظمة بنشر الثقافة والانفتاح والتعايش وعززت من بناء دولها وكانت عنصر استقرار ومرجعية لمجتمعاتها ولإقليمها مثل ما فعل النظام الملكي البحريني في جزيرة البحرين والزبارة عبر ركائز الحكم الخليفي التي تطرقنا لها في مقال سابق، وكذلك فعلت كثير من الأنظمة الملكية في الخليج والمغرب العربي وأيضا في أوروبا وأبرزها النظام الملكي البريطاني الذي يرتبط بعلاقة وثيقة واستراتيجية مع الأنظمة الملكية العربية.
لذلك علينا أن ننظر للمشهد بشكل شامل واستيعاب التحركات والإشارات لكي لا نقع في الفخ ونخدم من دون قصد من لا يريد لنا الخير، وأن نعمل على ترسيخ كل ما هو سبب لاستقرارنا وتقدمنا وكل ما يعتبر جزءا أساسياً من هويتنا وثقافتنا ومصالحنا العربية، بغض النظر عن أهداف وتصرفات الآخرين سواء كانوا شبكات وتيارات أو أنظمة حكم أجنبية، بالذات في وقت تتعالى فيه أصوات تدعوا لتحطيم وتدمير الحاضر والماضي والمستقبل إما انتقاما لظلم الماضي أو فشل حاضرهم وتخلق حالة من انعدام الثقة بين المجتمعات وبين دولها وما يتزامن من مشاعر مليئة بالكراهية والأحقاد لا تبقي ولا تذر.