العلامة الدولية المصرية

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

كان الحوار فى حلقة تليفزيونية عن القوة الناعمة المصرية، وما بين قضايا كثيرة متفرعة برز التساؤل عن الحاجة إلى ما يسمى بالعلامة الدولية لمصر. القصة من أولها تبدأ من خصائص العلاقات الدولية، حيث تسود المنافسة والسباق والتشاحن والفوضى، حيث لا توجد لا سلطة حاكمة، ولا وسيلة ناجعة للتقاضى وسيادة القانون. لا يزال القانون الدولى بدائيا، ولا تزال الدول تتعامل مع بعضها البعض على أساس ما هو معلوم من توازن القوى الذى يضم عناصر شتى عسكرية واقتصادية وثقافية؛ وفى هذه الأخيرة توجد صورة الدولة أو ما ينطبع فى أذهان الآخرين عنها. القوة Power تعنى القدرة على التأثير فى الآخر، فى هذه الحالة دولة أو دول أخرى، بحيث يمكن تغيير المواقف من حالة إلى حالة أخرى، ومن المعارضة للتأييد أو الحياد إذا ما تعذر الأمر. التقسيم التقليدى لأشكال القوة أنها صلبة وناعمة؛ والأولى تعنى القدرات العسكرية والاقتصادية ومهارة استخدامها فى الضغط والدفع والمقاومة، والثانية تستهدف التغيير السلمى فى مواقف الآخرين. وفى عصر أصبحت فيه القوة الصلبة مكلفة للغاية، فإن القوة الناعمة تصبح أكثر أهمية، لأنها قد تغنى عن استخدام الأولى وضمن إطارها العام والمتعدد الأبعاد توجد العلامة الدولية للدولة أو Brand، أى تلك الصفات التى تُعرف بها دونما قول، ويأتى تأثيرها دونما ضجيج.

هى بشكل ما نوع من المعطيات التى تبزغ فور ذكر اسم بلد ما. خلال الفترة القصيرة الماضية شاهد العالم جنازة الملكة إليزابيث الثانية. الذى جرى تطبيقها خلال أحد عشر يوما من العروض، كل عرض منها له مذاق ونكهة مختلفة، ولكنها كلها تصب فى العلامة الدولية للدولة البريطانية. الأصالة والتقاليد والاستقرار فى رأس الدولة الذى لا يملك من أمره أو أمر الدولة الكثير، إلا أن وجودها قائم على كل ذلك. المفارقة هنا تأتى فورا مع الدول الأخرى حيث الثبات مهتز سواء بقوة السلطة المباشرة أو حتى من خلال الانتخابات العامة التى فى الدول الضعيفة لا تسفر عن رئيس أو حكومة.

الحالة البريطانية ليست وحيدة فى هذا الشأن، ولكنها فى كل الأحوال تبقى فريدة حتى بين الدول الملكية فى إتقان الملكية الدستورية فى التغيير والدوام. الدول الأكثر ديناميكية تجعل من ديناميكيتها علامة دولية؛ فكم من دول العالم تهتم بمتابعة الانتخابات الأمريكية المتوالية، وفى أوقات الانتخابات الرئاسية لا ينام الجمهور العالمى حتى يعرف من سوف يكون رئيس الولايات المتحدة. العلامة هنا مستقرة، ونموذج تحاول دول أخرى أن تقلده وتخافه فى نفس الوقت وتتأثر به فى كل الأحوال. مصر فى الواقع لها علامتها الدولية المستقرة، وفى عصرنا هذا عرفت بفجر الضمير والحضارة التى يتوق الجميع لمعرفة أسرارها الفرعونية من أول قيامها إلى انهيارها. وفى وقت كان يقاس بالقطن المصرى لضمان جودة أقطان أخري؛ وفى القرنين التاسع عشر والعشرين كانت مصر مركز الحركة فى إقليم الشرق الأوسط بالحداثة المبكرة، والمعرفة بالصناعة، والفنون المختلفة. بلغ من قدرة مصر التأثير من خلال قوتها الناعمة حتى أصبحت اللهجة العامية المصرية هى السائدة فى كل البلدان العربية بفعل السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة. تغير كل ذلك الآن وبدرجات مختلفة لأسباب لا تسمح المساحة بالتفصيل فيها، وبرزت وصعدت لهجات أخرى مكانها.

المشروع الوطنى المصرى يجرى رغم التحديات المختلفة العالمية والإقليمية والمحلية وما تسببه من أزمات وآلام؛ وفى سبيلنا إلى ضمان استمراره فإنه يتطلب كل أدوات القوة الناعمة ومن بينها العلامة الدولية للدولة، وهو الذى يبعث على الثقة ويدعو إلى التفاؤل ويجلب معهما موارد كثيرة. الدولة الوطنية هى أول التعريفات العالمية للدولة المصرية، فهى تعنى أولا التماسك والانسجام ما بين عناصر المجتمع وتنويعاته المختلفة والتى لا تنبع فقط من ضرورات دستورية تفرض منع التمييز، وإنما إلى ممارسة تاريخية ترفضه. الدولة الوطنية المصرية هى مطلب إقليمى يعانى الطائفية والمذهبية والثارات النابعة من تاريخ الفتن. وفى هذه البيئة تقف مصر رافعة رأسها بأنها أنهت الانحراف الإخوانى وأطاحت به خلال عام واحد من الممارسة التى تأخذ مصر إلى قلب الجحيم الذى لايزال مشتعلا فى دول تمارس الحرب الأهلية، وأخرى لا تعرف كيف تبقى حكومة مستقرة. الدولة الوطنية تعلمت من تاريخها المعاصر سمة الواقعية السياسية فى داخلها وفى إطارها الدولى والإقليمى، فلم تعد لا أسيرة أيديولوجيا إقليمية حالمة، ولا واقعة ضحية سمعة قائمة على مقاومة النظام العالمى المعاصر. مصر لديها القدرة على أن تعمر غزة وتعطى أهلها أملا، بينما تتعامل مع إسرائيل وتقيم معها منتدى للغاز فى شرق البحر المتوسط أحد أعضائه فلسطين كاملة العضوية. مصر لديها علاقات مستقرة وإستراتيجية مع الأقطاب الثلاثة فى العالم: الولايات المتحدة، وروسيا الاتحادية، والصين.

مصر دولة بازغة تقع الآن فى جماعة الدول الصناعية الجديدة التى شبت عن الطوق من جوف التخلف والتبعية إلى الحداثة والتقدم الاقتصادى من منطلق المساهمة فى بناء عالم جديد وسعيد وقادر على تصحيح مساراته المدمرة. أهدافها مجسدة فى رؤية تنقلها مع كل زمن إلى نقطة أكثر تقدما، ومن خلال عناصر القوة المتنامية بالعلم والفعل والأصالة تواجه التحديات المميتة، بعضها مثل كوفيد ١٩، والمصائب التى تأتى من انفجارات حروب عظمى. هى جمهورية جديدة بفعل التغييرات الجغرافية والديموغرافية الجذرية الناجمة عن انتقالها من النهر إلى البحر، وإدارتها للثروة وليس للفقر، مع السعى الدائم لتجديد الفكر سواء كان مدنيا أو دينيا. التحسن الأخير فى العديد من المؤشرات العالمية من تحسن التنمية البشرية إلى المنافسة يعطينا خلال السنوات المقبلة المكانة التى تستحقها مصر فى السوق الدولية.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط