العِلْمُ أساسُ نصر أكتوبر
قصة غريبة قفزت فجأة على السوشيال ميديا هذه الأيام تتعارض تماماً مع كل الذكريات عن حرب أكتوبر من قادتها وضباطها وجنودها، ومع كل شهادات السياسيين بانتماءاتهم المتعددة، ومع ما تستدعيه الجماهير العريضة التى عاشت الحدث وسوابقه ونتائجه. يقول أصحاب القصة، دون أى سند يدعم كلامهم، لا وثيقة ولا شهود، إن فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود زار الرئيس السادات قبل عام 1973، وبشرَّه بالنصر، وقصّ عليه أنه رأى حلماً كان الرسول فيه يقود الجيش المصرى فى عبور القناة. ويقول الرواة إنه كان لحلم الشيخ عبد الحليم محمود الأثر الكبير الذى جعل السادات يتخذ قرار الحرب، بعد أن كان مترددا. يتجاهل رواة القصة كل المعلومات المؤكدة، التى ذاعت فى العالم كله، خاصة فى أوساط خبراء الحرب ومراكز الأبحاث العسكرية والإستراتيجية، عن الخطة الفذة المعقدة، التى أشرف عليها السادات، بكل تفاصيلها الفنية، وبإعجاز العسكرية المصرية مع محدودية السلاح، وبالعمليات المبهرة فى الإخفاء والتمويه على الإسرائيليين وعلى كل مؤيديهم، مع جسارة السادات فى تحمل مسئوليات قرار الحرب، مع ثقته فى تحقيق الهدف الوطنى. التسليم بصحة واقعة الحلم يعنى أنه لا فضل للسلاح ولا للتفانى فى التدريب عليه ولا للتخطيط والتمكن من تفاصيل الخطط، ولا للاهتمام بالروح المعنوية للجنود وترسيخ القيم الدينية فى الدفاع عن الوطن حتى الاستشهاد، ولا لعمليات الإخفاء والتمويه وتشتيت العدو، ولا لتهيئة الجبهة الداخلية، ولا لتجهيز المستشفيات سراً لاستقبال الجرحى، ولا توفير السلع الاستهلاكية المطلوبة للشعب فى أثناء المعركة..إلخ. وقبل كل هذا: لا قيمة للعلم، بل ازدراؤه والتسفيه من أهميته، وإشاعة الدروشة والتواكل بدلاً عنه، بل الأخطر بنشر فكرة شريرة أننا لا نقدر على العدو بقدراتنا وإنما فقط بمعجزات استثنائية. وكل هذا بقصة لا دليل على أن الشيخ عبد الحليم محمود قالها بنفسه!
وحتى لو صَدُقت القصة، برغم تهافتها واختفاء مروجيها الأصليين، فإن السؤال المهم: هل كان يمكن للسادات، التى أثبتت الوقائع المتراكمة دهاءه وتأنيه وسعة صدره فى سماع كل الآراء حول الحرب وأبعادها، ثم مراجعته لكل التفاصيل، أن يعتمد كلية على الحلم المنسوب للشيخ عبد الحليم محمود؟.
* نقلا عن "الاهرام"