إهانة ضحايا الاستعمار

جيمس زغبي
جيمس زغبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

نشرت صحيفة أميركية يومية كبرى في الأيام القليلة الماضية تقريراً مسهباً يتحدث عن إعادة فرنسا إلى الجزائر 24 جمجمة اشتهرت بأنها رؤوس لمقاتلي المقاومة الجزائرية. والتقرير كان صادماً ومثيراً للغضب.
فبدلاً من الكشف عن التاريخ الفضائحي وراء هذه القضية برمتها، تركزت القصة على أن ستة فقط من الجماجم يمكن التأكد من صحة انتمائها إلى مقاتلين جزائريين مع وجود 18 جمجمة أخرى لا يمكن التأكد من هوية أصحابها.
ومع اعتزام الحكومتين فيما يبدو على تجاهل الأصل المشكوك فيه للجماجم، تم الإعلان عن النقل باعتباره «بادرة قوية» و«علامة فارقة في جهود (فرنسا والجزائر) لإعادة بناء العلاقات». وفي النهاية، أثارت القصة أسئلة أكثر مما قدمت إجابات وكشفاً عن الماضي، كما أشار أحد المؤرخين الجزائريين، «الذي تحدث كثيراً عن الهمجية الاستعمارية».
واشتهرت الجماجم الجزائرية بأنها لقادة المقاومة ولمدنيين قُطعت رؤوسهم خلال الغزو الفرنسي لشمال أفريقيا في القرن التاسع عشر. وكانت الجماجم جزءاً من مجموعة من 18 ألف عظمة بشرية اُجتلبت من المستعمرات الفرنسية السابقة ووضعها في متحف باريس للبشرية.
ومن بين آلاف بقايا الهياكل العظمية في المجموعة كانت هناك عظام من جميع أنحاء أفريقيا وأميركا الشمالية وآسيا. وأفراد الجيش الفرنسي وعلماء الآثار اجتلبوا هذه العظام إلى فرنسا ثم تم تسليمها إلى المتحف كجزء من جهد لدراسة الاختلافات العرقية وتصنيفها. وإعادة فرنسا لهذه الجماجم ليست سوى واحدة من نحو 20 عملية إعادة رفات إلى بلدان أخرى.
وفي هذه الحالة، يمكن اعتبارها عملية غير مكتملة لأن فرنسا «تعيرها» فحسب للجزائر «لمدة خمس سنوات». المثير للقلق أن ثمة محاولة لتحقيق انتصار دبلوماسي على اعتبار أن ما تم خطوة مهمة في إعادة بناء العلاقات مع الجزائر.. وكان من الأفضل لفرنسا أن تقدم اعتذاراً ملئه الأسف عن الفظائع التي لحقت بالشعب الجزائري خلال غزوها الذي دام قرناً وعن احتلالها الاستعماري الاستيطاني وقمعها الوحشي.
وأقرب الأشياء لمثل هذا الاعتذار تمثل في تصريح غريب للرئيس الفرنسي ماكرون في الآونة الأخيرة قال فيه إن «كلا الجانبين عانى». لكن مازال يتعين على فرنسا تقديم شكل من أشكال التعويضات عن الأضرار التي لحقت بالجزائر وشعبها. أكتب هذا بسبب خيبة أملي الدائمة من الطريقة التي يواصل بها الفرنسيون، والغرب عموماً، تقديم أنفسهم بوصفهم حاملي الحضارة والثقافة والقيم في العالم، بينما يصورون شعوب الشرق أو الجنوب على أنهم أجناس أقل حضارة.
فقد قام «علماء» الغرب العنصريون في متحف البشرية بقياس أبعاد الجماجم التي درسوها لإثبات تفوق البيض. وبحث علماء الاجتماع ما اعتبروه ثقافات أدنى، بينما غزا قادتهم السياسيون والعسكريون أراضي هذه «الشعوب الأدنى»، وفرضوا أنفسهم عليهم، ونهبوا مواردهم لخدمة الأغراض العليا للدول الغربية. وفي الجزائر وحدها، لقي الملايين حتفهم أو تركوا للموت من المرض والمجاعة في سبيل خدمة مصالح فرنسا وشعبها.
ولا تختلف فرنسا عن كثير من القوى الاستعمارية الغربية الأخرى، وأبرزها، بريطانيا العظمى والبرتغال وإسبانيا. فقد تسببت غزوات هذه القوى الاستعمارية وحكمها الاستغلالي دماراً عالمياً ومعاناة إنسانية هائلة. وهذا ليس مجرد قضية عفا عليها التاريخ.
فما زال الضرر الذي تسببوا فيه يشكل الحقائق الحالية للدول الضحية. والخلاصة واضحة: لقد أقام الغرب ثروته وتظاهره بنظام ديمقراطي متحضر على ظهور وعظام الذين سحقوهم. ولتجاوز هذا والمضي قدماً، يتعين الاعتراف بالضرر الذي حدث ومحاسبته، ثم اتخاذ الإجراءات لتحقيق عدالة تصالحية. وإعادة الجماجم لتذكير الضحايا فحسب بشرور الماضي هي إهانة تضاف إلى ما لحقهم من ضرر.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.