هل كلمةُ الوُعّاظ المتشدّدين هي العُليا؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يعتد "الوُعّاظ المتشددون" في المملكة العربية السعودية عموماً، وفي محافظة القطيف خصوصاً، على أن يقول لهم أحد كلمة "لا"!
طوال سنوات خلت، كان "الوُعّاظ" بآرائهم التي بُنيت على تصورات ذاتية ضيقة، أو تتبع رتيب لآراء من سبقوهم، يملون على الناس أسلوب حياة لا يتوافق مع العصر، عبر خطاب بعيد من قيم المدنية والحداثة، وهو الأمر الذي جعل الحالة الدينية مضخمة ومشوهة، ومنح "الوعاظ" مساحة أكبر في حيوات الناس، بحيث صاروا يقدمون في المجالس والاحتفالات وحتى المناسبات التي ليس لهم تماسٌ بها، فتراهم يحضرون تكريم الأندية الرياضية والطلاب المتفوقين في المدارس!
من هنا، عندما تنتقد أحد الوعّاظ، يتم تصوير مناقدتك وكأنها ضربٌ في صميم الدين، أو هدم لركن عقدي، أو ترويج لانحلال أخلاقي، غير مدركين المسافة الكبيرة الفاصلة بين "الدين" و"الخطاب الديني".
إن "الوعّاظ" هم مجرد بشر، يخطئون ويصيبون. منهم من يمارس عمله بمهنية ومناقبية، ومنهم من اختاره طريقاً للشهرة والنفوذ. وبالتالي، أقوالهم يؤخذ منها ويُرد. لا يمتلكون أي عصمة أو قداسة، لا هم ولا سواهم من شخصيات أو أفراد المجتمع. بل، من الواجب مساءلة سردياتهم وتبيان الخلل فيها، لأن العديد منهم يقدمونها وكأنها مقدس تام، وما سواها مجرد مدنسٍ رث ينبغي اجتثاثه.
تزداد شراسة "الوعّاظ" في منافحتهم عن آرائهم، عندما ينتمون إلى تيارات حركية سابقة، أو لهم رمزية عند جماعة اعتادت أن تكون لها كلمتها العليا في المجال العام، وكان "الإعلام" لعبتهم التي بها يلتَهون ويُلهون!
من هنا، لم يكن غريباً تآزر "الوعّاظ المتشددين" في منافحتهم عن الداعية السعودي الشيخ حسن الخويلدي، الذي انتقدتُ خطابه في مقالتين سابقتين نُشرتا في "النهار العربي"، الأولى بعنوان "تغيّرات المجتمع السعودي وممانعة الوُعّاظ"، والثانية "الوُعّاظُ... أنصَافُ الآلِهَة"، أثارتا حفيظة التيار الديني المتشدد، وجعلتا ماكنته الإعلامية تنشط في الرد، الذي هو حقٌ طبيعي، لا يمكن مصادرته على أحد، ما دام علمياً وموضوعياً.
يمكن القول صراحة إن المقالتين ذهبتا مباشرة إلى الهدف، وصوبتا نحوه، من دون قناع، ومن دون تحايل، ومن دون أخذ طرق ملتوية. والهدف الصريح ليس شخص الخويلدي، لأن الموضوع ليس نزاعاً بين فردين من المجتمع؛ بل الهدف الذي صوّب عليه المقالة، هو: نسفُ المقولات الماضوية المتشددة التي تريد أن تمارس الوصاية على الناس باسم المقدس، وتروم تكريس سلطتها من خلال فرض نموذج أوحد، يعتبرون من لا يسترشد به ضالاً ومُضلاً!
خطاب الخويلدي، ما هو إلا نموذج لعشرات "الدعاة" المتزمتين الذين يعتقدون أن الطريق إلى الله لا يمر إلا بهم، وأن الجنة طوعُ بنانهم، وأن من يريد أن يصل إلى الفردوس عليه أن يهتدي بهديهم، وكأنهم بابُ الله الذي منه يُؤتى!
هم يريدون أن يماهوا بين شخصياتهم وشخصية النبي محمد بن عبد الله وآل بيته؛ وتقديم ذواتهم وكأنهم امتداد لنهج "الإمامة"، والمنافحون عن "الولاية"، وأن "الراد عليهم راد على الإمام".
إن القداسة التي لا يستطيعون ادعاءها لأنفسهم بألسنتهم، يريدون فرضها عبر الممارسة والأفكار، وهي كامنة في مضمرِ الخطاب، لأن أي ادعاء علني سيواجه بالاستنكار والنفور من الجمهور العام، لذا، يمكن القول إن هناك مخاتلة في الخطاب، تصوره وكأنه يروم تطبيق الأحكام الفقهية، فيما هو يكرس السلطة الأبوية للوعّاظ!
ما لا يريد "الوعّاظ المتشددون" الإقرار به، أن هناك تغيراً واسعاً وصريحاً في التفكير العام داخل المجتمع السعودي، وأن قيماً مثل "الفردانية" و"الحريات الاجتماعية" و"المدنية" باتت جزءاً رئيساً من نمط حياة الإنسان المعاصر، وهي ليست بالقيم الكمالية التي يمكن التنازل عنها، بل حقوق تكفلها له القوانين، وجزء من منظومة "الدولة الوطنية الحديثة".
"الفردانية" تعني أن الإنسان حرٌ في الإيمان بالأفكار التي يقتنع بها، وممارسة سلوكياته الخاصة والعامة، وأن الناظم لعلاقاته مع المجتمع هو "القانون المدني"، وليست السردية الفقهية التي يريد لها "الوعّاظ" أن تكون الحكم!
"القانون المدني" ذاته، هو أيضاً ما يضمن للمؤمنين إيمانهم، وبناء دور العبادة، وإقامة الصلاة والشعائر، ولبس الحجاب، من دون أن يمنعهم أحدٌ من كل ذلك، أو ينظر لهم بفوقية أو ازدراء؛ وفي الوقت ذاته، تضمن "الدولة المدنية" لسواهم العيش بسلام وحرية، في تجاورٍ كاملٍ للثقافات والأديان، يحترم فيه الجميع بعضهم بعضاً، بعيداً من التحريض الطائفي والعنصري.
إن "رحمانية الدين" لا تتواءم مع الوصاية، ولا تقبل أن يكون هناك احتكار لـ"الطريق القويم"، بل تقتضي تعدد السبل القويمة، فكلٌّ يجلُّ الخالق ويبني علاقته الروحية الخاصة به، ومن خلال هذه العلاقة تتجاور الإيمانات التي هي تمظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته.
هذه التعددية الإيمانية والثقافية يجب الحفاظ عليها، لذا كان من الطبيعي جداً أن يكون هناك ردٌّ في المقالتين السابقتين، على خطاب الشيخ حسن الخويلدي، بما يمارسه من تهميش لهذه التعددية وإلغاء لها باسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
على "الوعّاظ" أن يعوا أننا مختلفون، وأننا لسنا نسخاً متطابقة من بعضنا بعضاً. وأن هذا التباين في الأفكار والسبل، أمر صحي وطبيعي، وهو من سمات الحياة منذ الأزل. لذا، يجب أن نقبل بعضنا بعضاً، ونعيش متجاورين، من دون أن يفرض أحد فكره على الآخر.
لسنوات طويلة، ربطتني علاقة صداقة مع علماء دين وفقهاء من مذاهب إسلامية متنوعة، في السعودية والبحرين والإمارات والعراق وإيران وسوريا ولبنان، وتداولت فيها النقاش معهم في موضوعات عدة، يعتبرها كثرٌ محرمة أو يجب ألا تُفتح؛ إلا أن العلاقة بيننا لم تزدد إلا ثقة واحتراماً، وهذا ما جعلها تبقى وتستمر، لأنها بُنيت على الوضوح والتعددية وقبول الاختلاف.
إذاً، حرية السؤال، وحرية الاختيار، وحرية ممارسة الإيمان، هي أمور رئيسة، لا يمكن لـ"الوعّاظ" مصادرتها بحجة حماية "الأخلاق العامة"، وإلا حينها لن يسمعوا كلمة "لا" من فرد واحد، بل من جيل بأكمله تعلم وتثقف على البحث والتنقيب والمعرفة، وأن لا يسلّم عقله لأحد، كائناً من كان!
نقلا عن "النهار"