حيدرٌ... لا تَثرِيبَ عَليكَ!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قَصيدُكَ ستلقفُ ما يأفكون! هو ذا الشاعر عندما يعرضُ ببصره عن الضغينة، النميمة، التحاسد الكريه بين الأقران، هرجُ الجهال ورغيهم... وحين يعبرُ واثقاً، هادئاً، من دون أن يلتفت إلى الغبار في دروب العابرين في كلام عابر، مستمعاً فقط لما يُنطق من الحُسنِ وإلى الحُسنِ وبالحُسن!

النمرُ ورقيٌ يا فتى؛ لا تخشاه! هو مجرّدُ رسمُ وحشٍ، إلا أنه لا أنياب في فيهِ، ولا حتى قوائِمَ له يسير عليها نحو فريسته.
أنت "أبو الرماةِ تَصيدُ النَسر بالنظر".

هم مجرد متسكعين في قارعة الطريق، يتلقفون ما يتساقط من خوابيك وجرارِ العشقِ والجمالِ الشهي، علهم يقبضون على حروفِ أبجدية لم يفقهوا مغزاها.
يكفيكَ أنك كنت مع القصيد من دون أي رتوشٍ تخفي بها ملامحك الظاهرة. لم تكن إلا كما ولدتك أمك، مضمخاً بكثير من الحب، ومُيَمِّمَاً ابتسامتك شطر صدرها الحنون، ترتوي منها عذب ماء، اهتزت وربت له الديار، فكان الورد والرَّوح والباذخ من ثمار؛ دنت فتدلت، فكانت قاب قوسين أو أدنى من قلبك.

هي التي ألقت بك في اليَمّ، ورُبطَ على قلبها، وقيل لها لا تخافي ولا تحزني، إنا قلدناه الشعر، وألقينا عليه منا بيتاً وبيتينِ وألفاً من القصيد الذي لا ينتهي.

لقد قرت عينها، وأنت تتسيدُ "أمير الشعراء"، وعلت لها ابتسامة كبدر التمام حين قلدكَ خالد الفيصل بُردة عكاظٍ. أما الشمس المشرقة، التي علت السماء، فكان وجه أمّك وهي ترمقك في حضرة العرشِ، تنثرُ اللغة رقراقة في رواقِ الملك، فكنت الأصغر سناً في حضرة الأرفع قدراً، فكان الشِعرُ بين يدي سلمان بن عبد العزيز، خاشعاً لهيبةِ من كان للحرمين خادماً وحافظاً أميناً، ولشعبهِ محباً وقنديلَ ضياء، يبادلونه الوفاء والصدق.

هو ذا أنت، جُبت المفازات، شاعراً تترحل بين القصيد، وتترجلُ واقفاً أمام الحبِ الأولِ الذي يهزمكَ كلما اقتربت منه. احترقتَ، وكنت الفراشة التي لا تتعلم الدرس، حين عانقتَ "الحديقة" فعشقتها، وأسندت لها رأسك، ظاناً أن النبالَ لن تتكسر على كتفيك!

هي لك الدرعَ والسندَ والقدحَ الذي يشفي ظمأك. هي الغدير الشفيف الذي تَرِدُه ويَرِدُك. هي من تلتقطُ الوجعَ الهاطلَ من قلبكَ عطراً ممزوجاً بملح الأيام ولكماتها.
الدمُ يعلو حاجبيك، وشفتاك متشققتان، والطائر الأزرق الذي ظننته يغردُ باسمك، وخلته الهدهد، لم يكن إلا أبابيل ترمي بحجارة من سجيل! إلا أن من نجاكَ من اليمّ، وجعل لك مكاناً رفيعاً عند "العزيز"، ها هو يدخلكَ في درعه المنيعة، فلا تستحيلُ كعصفٍ مأكولٍ، بل جاء النداء: يا نبالُ كوني ورداً وسلاماً على الذي أردتم له غياهبَ الجُبِ، وأردتُ له سُندساً من الحرفِ وإستبرق، وكسوته نوراً يضيءُ له كلما قست عليهِ السيارةُ أو باعوهُ بثمنٍ بخسٍ!

حيدرٌ، لا تعتذر عما فعلت، فأنت من جعلت "حيوان المعدن" ينطقُ، يذهب مع رفيقه إلى من يعتني له بهندامه وقوامه، ومن قلتَ إن المعدنَ هو الآخر يستحقُ منا أن يمشي في دربٍ مؤثثٍ بمسكِ القصيد.

ملاكُ، رشا، فيٌّ، هم الذين أخبرت عنهم "نسيم الريح" أن "الوِردُ لم يزدني إلا عطشا"... وهم من لك أن تصغي بقلبك لهمسهم الصادق الذي لا يخالجه سواد.

لك في من سبقكَ في الدربِ راية تثبتُ فؤادك؛ فأنت ومحمد العلي، أبناءُ ذات النخلة الهجرية التي لم تلتفت يوماً لمن يرمون بشررٍ، بل كانت تطعمُ من يمرُ بها رطباً جنياً.

صلابة أبا عادلٍ، وجرارهُ الثرية تبصراً، عليك بها؛ فطالما كنت في حضرته، رفقة مريدي الحرفَ والشعراء... هنالك أنت، وقربك نزار المصطفى وجاسم الصحيح، وبقية باقية من خلان الوفاء، أولئك الذين تعرفهم ويعرفونك، ويقطفون من بستانك اليانع ثمراً طرياً.

يا ذا الشاعرَ، ليس المديحُ لكَ؛ إنما للحرفِ الذي عجِنته وعجَنك، شمَمتهُ واستنشقَ وجعك وأحلامك ونزقك... فالرجالُ لا يسلبُ لبها المديح، وإنما تنتشي عندما تصطادُ الطرائد في البيداء، وتطربُ حينما لا يعود سهمها خائباً.

اليوم، الدربُ أمامكَ سالكة، والوطن الشامخ يفتحُ ذراعين من نورٍ للمبدع من بنيه، وينادي عليك: أيا حيدر العبد الله، إن كلمة الشعرِ هي العُليا، فكُن أنتَ، ولا تكن سِواك، حتى وإن ألقموك الحجرَ أو أطعموكَ التِبرَ!

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.