مشكلات فاجعة وحقوق ضائعة

عبد المجيد صلاح داود
عبد المجيد صلاح داود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

شهد العراق خلال العقد السابق أصعب أحداث التأريخ السياسي والاجتماعي, المتضمنة الحرب ضد العصابات الارهابية(د,ا,ع,ش), وخروج أجزاء جغرافية كبيرة من سيطرة الحكومة العراقية, في محافظة الانبار وبالتحديد ميدان مدينة الفلوجة (قرية البوعكاش) خلال تلك المدة غًيب (643) فرداً إلى جهة مجهولة لم تعرف عنهم الحكومة أي شيء,

وبعد تتابع السنوات صار لزاماً علينا النظر في واقع اسرهم من منظور انساني, و أن نؤكد على حقيقة اجتماعية معَلومة, هي إن تلك الاسر مدنية منذ ذلك التاريخ ولم تشترك بأي شكل من الاشكال في حرب وعسكرة المجتمع تجاه طرفي النزاع.

تصنف ظاهرة الاختفاء القسري من ضمن الجرائم ضد الانسانية, وتشمل الافعال التي تصادر حرية الافراد وتجعلهم رهن الاختفاء, بفعل عوامل برزتها حالات الصراع المحتدم, استغل مجهولي المصدر حالة الغفلة والفوضى في المجتمع, لقمع المدنيين بأسباب صراع غاب بغياب المصدر وننسبه لنسب تلك الجريمة الى صراع سياسي او طائفي او مناطقي, والعراق خلال المدة المذكورة انفاً كان ارض مهزوزة بتلك الصراعات وقعت حينها تلك الافعال التي يتأسف عليها المجتمع الدولي والانساني, الامر الذي تراكم على مدى سنين لتمتد افرازات تلك الجرائم صوب انتهاكات لحقوق الانسان, لتراجع العراق عن التزامه الانساني تجاه اسر المغيبين, اذ تبلغ حالات الاختفاء القسري المعلقة في العراق (16423حالة), أَسف الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري, من أن العراق لديه حالات لا تزال معلقة بموجب الإجراء الإنساني.

يعد العراق من بين اعلى بلدان العالم التي شهدت اكثر من مئة حالة اختفاء قسري, ولارتباط هذه الجريمة بالحروب والصراعات, نجده من البلدان اللصيقة بالأزمات, لأسباب عديدة سياسية جغرافية واقتصادية تتعاقب الصراعات و الحروب على المجتمع العراقي لذلك تتكرر حالات الاختفاء القسري والازمات المجتمعية, خلال المدة التي شهدت بداية الحرب العراقية الايرانية عام 1980م وحتى العام 1983م وقعت (4041حالة) اختفاء في العراق, وبتاريخ انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988م, بلغت حالات الاختفاء القسري في العراق (11558 حالة), ولأسباب عديدة لا تختلف عن اسباب الاختفاء التي لحقت المجتمع العراقي خلال حرب الخليج عام 1991م, والتي بلغت (560حالة), ومن بين تلك الحروب والجرائم الملتصقة بها, تقدر حالات الاختفاء القسري في العراق خلال الحرب الاخيرة ضد تنظيم داعش الارهابي(1774حالة) بينها الرقم الاكبر من مغيبي محافظة الانبار واخص منهم مغيبي ناحية الصقلاوية.

علاوة على ذلك فقد شخصنا ابرز تلك التحديات التي افرزتها ازمة داعش, والاختفاء القسري لبعض افراد تلك الاسر, وانعكاسها على هذه الاسر, في الوهلة الاولى تعرضت تلك الاسر لعمليات عنف مباشرة تمثلت بممارسات تغييب الرجال بالقوة وبالتالي بث الرعب والصدمة في نفوس اسرهم اضف لذلك تمحور هذه الشريحة من الاسر في نطاق النشاط السياسي, كونها اصبحت ورقة سياسية اكثر مما يتوجب ان تكون عليه ورقة انسانية واجتماعية, والوهلة الثانية هي وقوعهم ضحية العنف الثقافي وان ابرز تحدياته هي: (الوصمة الاجتماعية), إذ وصمت تلك الاسر بوصمة (المغيبين), الذين اصبحوا من اضعف فئات المجتمع تفاعلاً, ومنزلةً, نتيجة غياب رب الاسرة او معيلها, وعطفاً على هذا اصبحت دائرة التخوين والشك تحوم حولهم باعتبارهم موضع شك بانضمام احد افرادهم إلى التنظيم الارهابي داعش. الى جانب حالة الفقر والعوز المادي, التي اصابت الاسر لاسيما انهم يعتمدون على مزاولة الاعمال الزراعية البسيطة, ففقدان رب الاسرة او احد افرادها ادى الى ضعف الامكانيات البشرية, وهذا ما استولد مشكلة مركبة الا وهي (عمالة النساء والاطفال والتسول والتسيب المدرسي).

المشكلات الاجتماعية لأسر المغيبين:

التحديات القانونية:

تمثل الهفوات القانونية احد الانعكاسات المعقدة التي يمر بها افراد المجتمع بعد مدة سيطرة تنظيم داعش على المدينة وتحريرها, إذ برزت العديد من المشكلات القانونية التي اصبحت عائقاً واضحاً في الحصول على الحقوق والمكتسبات والحماية القانونية. وتعد قضية (فقدان الاوراق الثبوتية) احدى اهم تلك المشاكل, إذ إن هناك العديد من الافراد يعانون من فقدان اوراقهم الثبوتية نتيجة لتلفها او فقدانها اثناء الازمة, ويتمثل التحدي الاساسي في صعوبة اصدار مثل تلك الاوراق الثبوتية, حيث يتطلب اصدراها حضور رب الاسرة شخصياً, وعلى الرغم من ان هناك العديد من منظمات المجتمع المدني تكفلت وتابعت اجراءات اصدار الاوراق الثبوتية, الا انه لايزال هناك العديد من تلك الاسر فاقدة لها, مما انعكس ذلك سلبا على ممارسة بعض الحقوق كالتعليم والزواج والتنقل والسفر.

صعوبة اصدار الاوراق الثبوتية او تجديدها من قبل وزارة الداخلية العراقية نتيجة لتلفها او غياب رب الاسرة.

تنعكس هذه المشكلة على امكانية ترويج معاملات المواطنين والتي اهمها المعاملات التي تقدم من اجل الحصول على تعويضات مادي من قبل الدولة.

صعوبة اجراء بعض المعاملات الرسمية مثل تسجيل المدارس وابرام عقود الزواج او حركات البيع والشراء ونقل الممتلكات والسندات من شخص إلى اخر.

تنعكس مشكلة صعوبة التنقل بين المحافظات والاقضية على افراد المجتمع, إذ ان فقدان تلك المتمسكات يحول دون تنقلهم بشكل أمن.

الوصمة الاجتماعية:

يعاني مجتمع الدراسة من إشكالية (الوصم الاجتماعي) و التمييز, نتيجة للأحداث التي مر بها, فسيطرة تنظيم داعش الارهابي على تلك المناطق, وبقاء العديد من العوائل داخل مناطقهم نتيجة لضعف الموارد الاقتصادية او اعتمادهم على الرعي والزراعة, ادى إلى وصمهم والقاء اللوم عليهم, وجعلهم محل شك بتعاونهم مع تنظيم داعش, إذ تتعرض اغلب اسر المغيبين إلى عنف ثقافي من قبل المجتمع العام ومؤسسات الدولة. ونتفق جلياً ان الوصم الاجتماعي يقع نتيجة لبعدين اساسين:

ومن تلك المظاهر هو ما يتم اطلاقة عليهم ب ((الدواعش)) إذ يتعرض اغلبهم إلى تهم الانتماء في صفوف تنظيم داعش, لاسيما ان هناك جهات امنية قامت باعتقال افراد من اسرهم, مما اضفى طابع رسمي لهذه التهمة. وقد ادى هذا الوصم إلى العزلة الاجتماعية لأغلب الاسر عن المجتمع. ومن اشكال الوصم الاخرى هي نظرة المجتمع الدونية لموقع هذه الاسر إذ يبن بعض افراد اسر المغيبين بانهم يواجهون صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية وروابط الزواج من المجتمع المحيط نتيجة للأحداث التب مر بها مجتمعهم, اذا يروي بعضهم تجارب محاولة اختيار (الزوجة) من اسر اخرى, فيتم رفضهم على اساس منطقتهم الجغرافية والوضع الاجتماعي.

7-الاستغلال السياسي:

لم تكن هذه المناطق بعيدة عن عمليات الاستغلال السياسي والمتاجرة السياسية فضلاً عن المساومات والمزايدات, على اعتبارها مادة اعلامية واجتماعية دسمة, وتشتق اهميتها من طبيعة المأساة والتكلفة الاجتماعية التي تعرضت لها.

وعلى الرغم من ان ملف المغيبين ملف ذو طابع انساني, الا انه اخذ طابع سياسياً بحتاً, إذ تتصدر هذه القضية المفاوضات السياسية والمباحثات الحزبية بين الاحزاب, فضلا عن انها اصبحت معيارا اساسيا يطرق على طاولة المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة.

-من اجل حفظ الكرامة: الحل يُكمن في تعويض اسر المغيبين:

تؤكد اغلب المواثيق الدولية المتعلقة بقضايا الاختفاء القسري على اهمية التعويضات لضحايا الاختفاء القسري بما يكفل ضمان حقوق الضحايا واسرهم, مثلما اوصت اللجنة المعنية بحقوق الانسان لتعويض اسر المختفين لما لحق بهم من اضرار جراء الاختفاء, والتعويض يكون بتقييم حجم الاضرار ودفع مبالغ مالية مقابل فقدان العمل او الراتب او المعيل للأسرة, وتعويض عن حالات القلق والاضطراب النفسي جراء ممارسات الاعتقال والاختفاء, بينما يفتقد قانون المحاكمات الجزائية العراقي, نصوص تمنح ضحايا جرائم سلب الحريات, حقوق التعويض عن الاضرار التي تلحق بهم واسرهم.

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.