دراما رمضان والحرب على الإرهاب

منير أديب
منير أديب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

جسدت دراما رمضان أهمية قصوى للأمن وحاجة ضرورية للمعلومات ضمن معركة مواجهة الإرهاب الطويلة؛ فسلّط المسلسل المصري الذي يُعرض حالياً "الكتيبة 101" الضوء على هذين العنصرين كأولوية في المعركة، وها هي مصر تحصد نتائجها بعد قرابة عقد كامل من مواجهة المجموعات التكفيرية المتطرفة في الجزء الشمالي من سيناء.

يتزامن عرض المسلسل الدرامي "الكتيبة 101" مع قرب إعلان القاهرة مصر خالية من الإرهاب، بعد رحلة شاقة من المواجهة المسلحة مع التنظيمات المتطرفة في سيناء وغيرها من المحافظات المصرية... رحلة كانت فيها المعلومة أهم من الذخيرة الحيّة، بل كانت بمثابة الرصاصة التي عرفت هدفها جيداً، وكانت أجهزة الأمن والمعلومات البطل الحقيقي في هذه المواجهة.

كشف مسلسل "الكتيبة 101" عن الدور البطولي للمخابرات الحربية التي كانت تسبق هذه التنظيمات بخطوات، فكانت تواجه مكرِها بذكاء رجل الأمن وتختصر مسافات كثيرة وكبيرة في معركة المواجهة، وهنا نجحت أجهزة الأمن والمعلومات في معرفة ورصد كل قيادات التنظيم المتطرف في سيناء وأماكن تواجدهم وشكل تحركاتهم، بخاصة أن هذا الوجود لم يخلُ من وجود آخر لعناصر أجنبية وسط هؤلاء المتطرفين، فضلاً عن استعانتهم بخبرات التنظيم من خارج سيناء، وقد كان ذلك بمثابة تحدٍ كبير تطلب مجهوداً معلوماتياً كبيراً قبل المواجهة المسلحة، فلا يمكن لهذه المواجهة أن تكون ناجحة أو ناجزة من دون الحصول على المعلومات التي تؤدي إلى هذا الهدف.

استمرت المعركة عشر سنوات كاملة قدمت فيها القوات المسلحة الغالي والثمين ولكنها نجحت بالنهاية في التخلص من تنظيم ولاية سيناء أو ما يُعرف بـ"داعش سيناء"، واجهت القوات الأمنية المصرية الإرهاب في سيناء نيابة عن العالم حتى نجحت في شل حركة التنظيم والتعرف إلى كل خططه واستهداف قياداته، وبالتالي تخلصت منه إلى الأبد كما أنهت خطره على العالم.

كشف مسلسل "الكتيبة 101" أيضاً الحجم الحقيقي لبطولة القوات المسلحة التي تحملت وحدها المواجهة في سيناء، صحيح كانت هناك مشاركة للشرطة الداخلية التي لا يمكن إنكار دورها في مواجهة الإرهاب في كل المحافظات المصرية، وهنا قدمت القوات المسلحة مع هذه الشرطة الداخلية مع عوائل سيناء أبناءهم من أجل أن تظل هذه البقعة الطاهرة والعزيزه من الوطن محررة من دنس المتطرفين عبر العصور والأزمان.

المسلسل لم يغفل دور القبائل السيناوية ولا شيوخ هذه القبائل والأفراد والمواطنين ولا المرأة السيناوية، التي كانت تمد أجهزة الأمن والمعلومات بتحركات هؤلاء التكفيريين. كان دافع السيناوية واضح منذ اللحظة الأولى، الأرض التي شاركنا في تحريرها من المحتل الإسرائيلي لا يمكن أن يدنسها صهاينة العرب أو المتطرفون الذين حلوا غرباء على سيناء.

رسم مسلسل "الكتيبة 101" الصورة بوضوح، بخاصة في ما يتعلق بطبيعة عمل أجهزة الأمن والمعلومات، ولعل الرسالة الأهم التي بعث بها هذا المسلسل، أنه مهما كانت قوة التنظيمات المتطرفة وإجرامها، فإن خيال أجهزة الأمن أسبق من خيال هؤلاء المتطرفين، فضلاً عن أن قوة هذه الأجهزة تتحدد دائماً في قدرتها على الحصول على المعلومات، إيماناً منها في أن المواجهة مرهونة بالمعلومة الصحيحة والدقيقة، بل وتوقيت الحصول عليها ثم استثمارها.

من أهم المشاهد التي تجسّد خيال أجهزة الأمن العالي وقدرتها في العبور إلى آخر نقطة وصلت إليها هذه التنظيمات سواء فوق الأرض أو عبر الأنفاق التي يعيشون فيها، تعقّب هذه التنظيمات من خلال بعض أجهزة الـ gps التي زُرعت في إحدى السيارات التي كانوا يسرقونها بهدف مد معسكراتهم بالمؤن، كما كانوا يُحاولون من وراء هذه الأفعال إثارة الرعب بعمليات الخطف هذه، حيث تم تحديد مكان المعسكر السري بهذه الطريقة الذكية، وبالتالي تم تفجيره من خلال القوات الجوية.

عنصر المفاجأة الذي كانت تباغتهم به أجهزة الأمن في عمليات المداهمة كان عليه عامل كبير، بعدما أراد هؤلاء المتطرفون وقف كل مظاهر الحياة داخل سيناء من خلال ضرب محطة المياه بها ومنع وصول العمال إلى المحطة بهدف إصلاحها حتى تعود الحياة للشعب السيناوي، وهنا تظاهر قوات المداهمة الخاصة في شكل عمال جاؤوا لإصلاح المحطة حتى قاموا بتصفية خلية المتطرفين بأكملها وتم تمكين العمال من إصلاحها وعودة الحياة إلى سيناء.

معركة المواجهة في سيناء لم تكن سهلة وتجسيدها على الشاشة لم يكن سهلاً أيضاً، ولكنّ القائمين على العمل الدرامي نجحوا في إيصال الرسالة سواء من خلال النص القوي أو من خلال أداء الممثلين البديع مثل، عمرو يوسف وآسر ياسين وفتحي عبد الوهاب ووفاء عامر وخالد الصاوي وبقية الفريق.

ما كان لفريق العمل أن يحقق أي نجاح من دون المخرج العبقري، محمد سلامة وكادرات تصوير ذكية لمدير التصوير صاحب الأنامل الحساسة، محمد مختار، والذي نجح من خلال كادره في تجسيد مسرح العمليات العسكرية على طبيعته أمام المشاهد.

المسلسل كان بمثابة صورة فنية بديعة صوّرت الواقع وأبدعت في نقل تفاصيله للمشاهد الذي عايش أحداث المسلسل ولكنه تعامل معها عبر المخيلة، حتى نجح العمل الدرامي في تجسيدها من خلال هذه المشاهد التي نقلته إلى الصورة الحقيقية للأحداث، والأهم أنه استشعر طبيعة عمل أجهزة الأمن والمعلومات، هؤلاء الحاضرون الغائبون في أي مواجهة مع الإرهاب.

معركة مواجهة الإرهاب في مصر عموماً وسيناء على وجه الخصوص لم تكن سهلة، وبالتالي تتولد الحاجة دائماً لمعرفة تفاصيل ترتبط بهذه المواجهة، ولكن تمت المهمة بنجاح شديد وسط إصرار من الدولة بكل أجهزتها على المواجهة مهما كانت التكلفة ومهما كانت الخسائر؛ فما يظنه البعض على أنه خسائر هو في حقيقة الأمر مكسب إذا ما قورن بما يتم تحقيقه من ثمرات في نهاية هذه المواجهة.

كان صعباً للقائمين على العمل تجسيد حجم ما تم تقديمه من بطولات في هذه المرحلة وداخل "الكتيبة 101" خشية أن يتم اختزال هذه البطولات عند عرضها، ولذلك بدا التحدي كبيراً وبدا النجاح واضحاً، فتحية واجبة لصناع الدراما الوطنية والتحية من قبل للأبطال الحقيقيين الذين جسدوا العمل، الأحياء منهم والأموات الذين رسموا طريق النصر الذي عبر منه أبطال العمل الدرامي.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة