السودان... الحوار الآن أو الكارثة

السودان... الحوار الآن أو الكارثة

سميح صعب
سميح صعب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

التوازن على الأرض وحده القادر على إقناع طرفي القتال في السودان، قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات "الدعم السريع" الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"، بالعودة إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن تسوية ترضيهما وتجعلهما يوقفا المعارك.

ربما تكون هدنة الأيام السبعة تطوراً في الاتجاه الديبلوماسي، كونها أتت بعد ثلاثة أسابيع من القتال والهدنة الهشة ووسط توازن في الميدان. لا كفة البرهان هي الراجحة ولا كفة حميدتي. فهل اقتناع الرجلين بأن سلوك طريق الحوار أفضل لهما من المضي في حرب استنزاف طويلة قد تتطور في اتجاهات ليست في حسبانهما؟

إذا جلس البرهان وحميدتي إلى طاولة الحوار، فإنها البداية نحو التشارك في السلطة بعدما ظهر حتى الآن أن أياً منهما غير قادر على حسم المعركة بالسرعة التي توخاها، وتالياً التمكن من تتويج نفسه الزعيم المقبل للسودان.

المضي في الحرب يحمل مخاطر عديدة على الفريقين، وستفضي إلى تدخلات إقليمية وخارجية من شأنها تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في مجمل الأراضي السودانية، وتضع البلاد أمام احتمال انفصال آخر بعد أكثر من 12 عاماً على انفصال الجنوب.

لا أحد ينكر الموقع الاستراتيجي للسودان في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا وللقارة السمراء عموماً. لكن إذا طالت الحرب، فإنها قد تحوّل السودان إلى بلد منسي يتخبط بمشكلاته، أمام جسامة حروب وأزمات أخرى يشهدها العالم، من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تبدو قاب قوسين أو أدنى من تصعيد جديد، قد ينتهي بمواجهة مباشرة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي. وهناك التوتر المتصاعد في تايوان وبحر الصين الجنوبي وشبه الجزيرة الكورية.

تلك تطورات تجعل المحيطين الهادئ والهندي على شفا مواجهة عسكرية صينية - أميركية.

أضف إلى ذلك، أن تمدد الجهاديين من دول الساحل إلى السودان لن يتأخر كثيراً في حال طالت الحرب. وهذا حدث من شأنه أن يساهم أكثر في تعميق الأزمة ويهدد بتفشيها بين أمراء الحرب.

طول أمد الحرب لن يخرج منها منتصراً، لا البرهان ولا حميدتي. ستنشأ حركات تمرد جديدة وستغذي طموحات لدى زعماء قبائل هنا وهناك، وتتآكل قوة الجنرالين بمرور الوقت، وتظهر قوى جديدة من رحم الفوضى والقتال، ولن تعدم إيجاد وسيلة دعم من الداخل ومن الخارج على حد سواء.

إلى اليوم، لا يزال المجتمع الدولي مهتماً بوقف الحرب وإيجاد مخرج للجانبين. بعد وقت ليس بالبعيد ستفتر الجهود الإقليمية والدولية ويُترك السودان لمصيره، ولن يكون أفضل من ليبيا التي تنهشها الفوضى منذ 12 عاماً، ولا تجد كل الجهود الدولية أي بصيص أمل في إعادة اللحمة إلى هذا البلد. ولن يكون السودان أفضل من الصومال المفتت منذ أكثر من ثلاثة عقود، بين سلطة شرعية بالكاد تتجاوز صلاحياتها، مقديشو وجهاديين وقراصنة.

لم يفت بعد آوان احتواء القتال قبل أن يتحول حرباً كارثية تودي بالمزيد من القتلى والجرحى وتدفع بموجات لجوء ونزوح جديدة لملايين السودانيين وتفاقم من معاناتهم الإنسانية، وهم أصلاً المكتوون بأزمات اقتصادية مستفحلة، بفعل سوء الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد ومعظمها من صنع الجنرالات، الذين تشبثوا بالسلطة على حساب الناس، باستثناء المشير عبد الرحمن سوار الذهب الذي سلم الحكم للمدنيين وفق ما وعد بعدما أطاح حكم النميري عام 1985.

عينُ البرهان على السلطة وكذلك هو هدف حميدتي. هما حرما الانتفاضة الشعبية التي أسقطت نظام عمر البشير عام 2019 من أن تؤسس للحكم المدني. وتساهل الغرب مع الجنرالين لأكثر من اعتبار واستأثرا بالسلطة التي يتقاتلان عليها الآن.

علّ التجارب تقنع البرهان وحميدتي أن يرأفا بالسودان والسودانيين، وأن يقبلا بالحوار للتشارك في سلطة هي من حق الشعب أساساً، وليست من حقهما أصلاً.
* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط