الإدمان ومعالجات الروح
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
اتصلتُ بالصديق العزيز الدكتور عادل الزايد، مدير مركز علاج الإدمان، لأطلب منه بعض الإحصائيات عن حالات الإدمان في الكويت. لكنه بلطفه المعهود سألني: «هل سبق أن زرت المركز؟». ولأني أجبت بـ«لا»، وكطبيب نفسي همس بأذني: «منْ رأى ليس كمنْ سمع!».
حين أقبلتُ على المبنى، في منطقة الصباح الصحية، بدا هادئاً، وكان أن وجدت الدكتور بانتظاري. أخذني في البدء إلى مسرح، بحضور أكثر من 200 شخص من نزلاء المركز، بينما أحد المتعافين من الإدمان، بمشاركة طبيب محاضر، يعرض طريق الشقاء الذي عاشه طوال إدمانه، ومعالجات الروح، التي مرَّ بها منذ وطئت قدماه عتبة المركز. لفتت انتباهي لغة الرجل، تسلسل أفكاره، وصراحته وجرأته، فهو يُدين نفسه بأوصاف يصعب على كثيرين التلفظ بها. وحين سألته عن طلاقته، أوجز قائلاً: «الانحدار والضياع ينطقان بي، وحرقة قلبي!».
بعد استماعي لحكاية المتعافي من الإدمان، وسعادته بانعتاقه من حياة الحضيض وولادته وعودته إلى دنيا الأحبة والأهل والأصدقاء، وعيش الحياة بطبيعتها، أشار إليَّ الدكتور، وسار بي إلى قسم الفتيات والنساء، وهناك استقبلتنا الأستاذة أماني الصباح، مسؤولة البرنامج التأهيلي للنساء. خفق قلبي بحسرتي وألمي، وأنا أرى فتيات بعمر الورد وقد سكنت الحسرة نظرة عيونهن!
بدا واضحاً الدور المُؤثر جداً للأسرة والأصدقاء، فإحدى المدمنات تعرفت على المخدرات من أخيها، وأخرى من صديقتها. لكن الجملة تلجلجت في فم امرأة، وهي تقول: «المخدرات أنستْني أبنائي، وتوقّفتُ عن أن أكون أمّاً!». بقيتُ أنقّل نظري بينهن، أستمع بألمي إلى شهادات مؤثرة وموجعة. فأكثر من فتاة هجرت الجامعة بسبب المخدرات، وبعضهن ذقن عذابات السجن، وبينهن من طردها أهلها إلى الشارع.
وحين انضمت إلى جلستنا متعافية حديثاً، وهي مقبلة على الزواج من حبيبها. خاطبتني بنبرة واثقة: «أكثر من اتصال جاءني من مروّجي المخدرات، لكني وقفت لهم بالمرصاد، بعد أن عرفت طريق المركز».
سألت امرأة في منتصف الأربعينيات عن سبب قدومها بإرادتها للمركز، فأجابت بألم: «كان أمامي الخلاص أو الموت، فاخترت الخلاص!». إحدى النزيلات قرأت في جلستنا ما كتبته عن تجربتها المرة، ونصائحها لبنات جيلها!
لم يكن صباحاً عادياً، ولا كان المركز، ولا لحظات البوح الموجع، ولا شباب وشابات انحدروا إلى هاوية المخدرات والدمار، قبل أن يعرفوا طريق النجاة والوصول إلى المركز ومعالجات الروح.
بقي أن أقول: المركز دار أمان، والمركز طوق نجاة، والمركز إنقاذ لكل متعاطٍ يبحث عن الخلاص!
وأخيراً، تحية تقدير وإجلال لدور الدكتور عادل الزايد، وأماني الصباح، وجميع الطاقم الطبي والإداري. فلقد بدا واضحاً تعاون الجميع من أجل إنقاذ المدمن.
أيها الزّارعون بذرة الأمل والتعافي من مرض المخدرات، لكم تقدير أهل الكويت لدوركم الإنساني النبيل!
نقلاً عن "القبس"