ارتزاقُ باسم حقوق الإنسان!
كثيرةُ المبادئ والأفكار النبيلة التى ابتُذلت فى الممارسة، واستُخدمت لتحقيق أغراضٍ بعيدة عنها. ويزداد هذا الابتذال فى زمن الخواء الأخلاقى الراهن. وحقوق الإنسان مثالُ على ذلك. يعجُ العالم بحركاتٍ ومنظماتٍ حقوقية من كل لون وصنف. بعضها عالمى ينشط على مستوى الكوكب، وبعضها محلى يعمل فى بلد واحد. توجد بالقطع حركاتُ ومنظماتُ مستقيمة تؤمن بحقوق الإنسان، وتدافع عنها بمنأى عن الاعتبارات السياسية والتمويلية. ولكن ما أكثر نظيراتها التى تتخذُ العمل الحقوقى سبيلاً للارتزاق، وتفعلُ أى شىء للحصول على تمويل. يحدثُ هذا فى بلدانٍ متقدمة وأخرى نامية. ولكنه يزداد فى البلدان النامية رغم أن حاجتها إلى ممارساتٍ حقوقية مستقيمة أكبر. وتوجد علاقات متنوعة بين بعض هذه الحركات والمنظمات. التشبيك، أو إقامة شبكات، واسع النطاق فى هذا المجال، خاصةً على صعيد التمويل. المنظمات والحركات العالمية الكبيرة أكثر قدرة بالطبع على جلب التمويل من جهاتٍ متنوعة يؤمنُ بعضها بالعمل الحقوقى فعلاً، ويمنحُ البعضُ الآخر المال لتحقيق أهداف غالبًا ما تكون سياسية. أما المنظمات والجماعات المحلية فقدرتها على جلب التمويل أضعف. ولهذا يلجأ كثيرُ منها إلى تكييف أنشطته مع متطلبات الجهات المانحة فى الخارج, أو تصميم هذه الأنشطة بما يُلائم سياسات الحكومات فى بعض البلدان التى تعمل فيها وتلبية مطالبها حين تُطلب, من أجل السماح لها بالعمل والحصول على التمويل. أما ازدواج المواقف فهو شائعُ فى أنشطة بعض المنظمات العالمية والمحلية. فعندما تُنّحى المعايير جانبًا من أجل المصالح، يصبحُ العمل الحقوقى مُسيَّسًا، وتدبُ فيه أمراضُ السياسة كلها أو بعضها. ويصعب التمييز فى كثيرٍ من الأحيان بين الحقيقى والزائف فى أنشطة حقوق الإنسان. ولهذا تنجحُ منظمات وحركات حقوقية فى خداع الناس لأوقاتٍ تطول أو تقصر. ويُخدعُ أيضًا بعض من يتعاونون معها، فلا يعرفون أن الارتزاق بأى طريقة هو ديدنها. ويكتشفُ بعض المخدوعين فى وقتٍ أو آخرً أنهم خُدعوا. ولهذا يتعين توخى الحذر بشأن الأنشطة الحقوقية، وبذل ما يتيسر من جهدٍ للتمييز بين الغث والثمين فيها.
نقلاً عن "الأهرام"