كيف تدخل الأخبار بأقل مجهود؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يتفق عدد من علماء الاتصال والاجتماع على أن كل تقنية اتصالية جديدة تطور بدورها آليات جديدة لإدراك الشهرة والتأثير والمكانة، ويستعينون لإثبات فكرتهم تلك بعشرات الأمثلة التى جسّدت هذا الارتباط الحيوى بين الطريقة التى يتواصل بها الناس، وأساليب ترتيب المؤثرين والمشهورين عبر التاريخ.
وفى عصرنا الحالى تبدو المسألة غاية فى البساطة لإدراك هذا الارتباط، فليس علينا سوى استعراض قوائم «التريندات»، وتقصّى ما ينشغل به الناس على وسائط «السوشيال ميديا»، لإثبات هذه الخلاصة العلمية اللافتة.
لقد باتت المسألة فى منتهى السهولة لكل طامح إلى تصدّر الأخبار واحتلال قوائم «التريند»، إذ لا يستلزم ذلك سوى قدر كبير من الجرأة والقابلية لـ«ارتكاب» الأفعال الحادة والمثيرة للجدل، بما قد يتضمنه هذا الجدل من مشاعر عدائية وردود فعل صادمة.
فما الذى يدفع «فناناً» انحسرت عنه أضواء الشهرة لأسباب مختلفة، لكى يخوض المجال السياسى، من دون سابق خبرات أو تجارب، وينسج خطاباً حاداً وصادماً ومفاجئاً لجمهوره، ويبثه على الوسائط؟
وما الذى يدفع «فنانة» يأخذها عمرها إلى دور الأم، بعدما استقرت طويلاً فى أدوار «الإغراء»، إلى ارتداء زى «فاضح»، ثم الاعتذار بداعى «السهو»، قبل أن تعود لـ«استثمار» الزى نفسه مرات ومرات، عبر ممارسات متنوعة تحظى بالرواج؟
وما الذى يدفع زميلة لها إلى «التنطع» على الحالة الصحية لفنان شهير، وادعاء أن خوفها عليه ورغبتها فى الاطمئنان على صحته كانا سبباً فى اتهام أسرته بـ«احتجازه» و«حجبه عن محبيه»؟
وما الذى يدفع أخريات، يرغبن فى العودة إلى الأضواء ولفت أنظار بعض المخرجين والمنتجين إلى وجودهم، إلى التسلق على الرافعة ذاتها، والإمعان فى انتهاك خصوصية الفنان المسن، وتجريح عائلته؟
وما الذى فكرت فيه ابنة أحد الفنانين، التى تجتهد للبقاء تحت الأضواء على هامش الحياة الفنية، لكى تقرّر أن تحلق شعرها تماماً، وتظهر فى أحد المهرجانات حليقة الرأس، وتُبدى الفخر بما فعلت، وتستحث أخريات لتجربته؟
لا يختلف هذا كثيراً عما يفعله بعض لاعبى كرة القدم السابقين، الذين لم يجدوا مجالاً واضحاً يستثمرون فيه ما قد يتوافرون عليه من قدرات أو إمكانيات فى حال وجدت، سوى التصريحات الصادمة، والتقييمات المأفونة، والسخرية من أقرانهم أو زملائهم، وإعادة تدوير حكايات قديمة، للتلاعب بعواطف الجماهير المشحونة بقيم التعصّب والتنافر.
كل هؤلاء، وغيرهم كثيرون، يحاولون دخول الأخبار، ومن ثم احتلال قوائم «التريند»، بأمل أن يقودهم ذلك إلى تحقيق مكاسب جديدة بدت عصية وبعيدة، وصولاً إلى اجتراح مكانة، لم توفرها لهم مقوماتهم الراهنة فى بيئة تنافسية صعبة.
لقد أدرك هؤلاء، وغيرهم كثيرون، أن آليات بلوغ المكانة فى الوسطين المهنى والعمومى تغيّرت، بفعل التغيّرات الحادة التى طرأت على المجال الاتصالى.
فمن بين ما أتت به البيئة الاتصالية الراهنة من تغيرات وآليات جديدة أنها رهنت جانباً كبيراً من الوجود والشهرة والتأثير، ومن ثم المكانة، بالقدرة على الرواج، وهو رواج لا يعكس أى قيمة إيجابية بالضرورة، وإنما يستمد قيمته من ذاته فقط.فصنع المكانة فى بيئة «التواصل الاجتماعى» أضحى مرتبطاً فقط بالبروز والتداول الواسع للأخبار، بصرف النظر عن منظور هذا البروز واتجاه هذا التداول.
فبمجرد أن «ترتكب» هذا الفعل الصادم، سواء كان زياً أو عرياً، أو قولاً أو سباباً، أو مخالفة صارخة لقيمة مُرساة تحظى بقدر من التوافق المجتمعى، ستكون على رأس التفاعلات الشرهة والنهمة لكل حاد وصادم، وستنعم بالقول إنك «تريند»، ومن ثم ستتحسّن مكانتك، وقد تأتيك العروض لاستثمار هذه «المكانة» المصطنعة.
باتت تلك الآلية مستقرة وفعّالة فى كل الظروف، وهى لم تبلغ هاتين الصفتين سوى لأن قدراً كبيراً من التواطؤ تم من أجل تعزيزها وإرسائها، وهو تواطؤ يبدأ بالفاعل الطامح إلى البروز وحصد المكانة، ويشاركه فيه الجمهور الذى يدرك أهدافه، ويساعده لبلوغها، عبر الاهتمام والتفاعل و«التشيير»، ثم يكافئه عليه زملاء الوسط الذى ينشط فيه، حين يستغلون «مكانته» المصطنعة تلك لإشراكه فى أعمال جديدة.
إن عواقب ترسّخ تلك الآلية السخيفة وخيمة، لأنها ببساطة ستُحدّد لكل الطامحين من المتنطعين غير المؤهلين سبيلاً فعالاً وناجعاً وسريعاً لتحقيق أغراضهم، وهذا السبيل كما أصبحنا نعرف على قدر من السهولة التى قد تغرى كل يوم آخرين بالسير فيه.
وأما وسيلتنا لمقاومة هذا الطوفان، فتبدأ من الجمهور، الذى يجب أن يكون أكثر وعياً بتلك الأساليب، وأكثر قدرة على تفاديها، ومعاقبة مستغليها بالترك والتجاهل.
* نقلا عن " الوطن"