مغامرة «حماس»... «السيف الحديدي» بوجه «طوفان الأقصى»

فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

بشكلٍ مفاجئ أصبَح الفلسطينيون على خبر استهداف حركة «حماس» لإسرائيل، التي بادرت بالرد القوي، قبل أن تعلن عن العملية الأكثر شراسة منذ حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان. إعلان إسرائيل لعملية «السيف الحديدي» يعني أن قطاع غزة، بكل ما فيه، سيتحول إلى أثرٍ بعد عين، حتى مَن سيُكتب لهم البقاء سيكونون في حاجة ماسَّة إلى أسس الحياة اليومية. هذا ما تهديه حركة «حماس» الأصولية للفلسطينيين؛ أن تقتل من الإسرائيليين ألفاً لتردَّ عليهم بقتل مائة ألف، وأن تستهدف عشرين مبنى لتقصف إسرائيل جميع مباني غزة وشوارعها وبيوتها. أسَّس لهذا السلوك تنظيم «حزب الله» في لبنان، الذي يباشر الاستفزاز للإسرائيليين، ثم يعالج جروح اللبنانيين بمقولة: «لو كنتُ أعلم». حركة «حماس» أيقظت المارد الإسرائيلي، وهذه الحرب ستستمر تداعياتها لسنواتٍ طويلة، ولن تسجل أي مكاسب على الأرض، والخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني، حيث تعطّل حركة «حماس» كل بادرة دولية لكسر جمود عملية السلام، وما إن يهم المجتمع الدولي بالاقتراب من التفاهم، حتى تستفز الحركة الغول الإسرائيلي وتعانده ليقوم بالرد الساحق.

في 13 سبتمبر (أيلول) عام 2013، تساءل مؤلفو كتاب «حركة حماس»، الذي أصدره «مركز المسبار للدراسات والبحوث»: ما حقيقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)؟ إلى أي مدى هي حقاً «إسلامية» الطابع والهوية؟ وكيف تعمل فعلياً أجهزتها؟ ومن هي تلك الشخصيات المتخفية وراء تلك البزّات المرقطة؟ وكيف تمتد شبكات علاقاتها الداخلية والخارجية؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما يحاول هذا الإصدار العشرون من كتاب «المسبار» الشهري أن يجيب عنها.

يوم وقف العالم مذهولاً بالانتصار الكبير الذي حققته حركة «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، بدا لكثيرين أن مرحلة جديدة من تاريخ القضية الفلسطينية قد بدأت، على حساب الفصائل والقوى الفلسطينية العريقة في تاريخها السياسي ونضالها الوطني.

وفي وقت كانت الآفاق تنسدّ تباعاً أمام الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات المحاصَر داخل «مقاطعته»، أواخر عام 2003، كانت «حماس» رائدة في الضربات المدوية؛ فهي إذ تحضر في ساحات العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، لا تغيب عن المسجد، وعن المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية.

وباختصار، بدا وقتها أن خيار السلام يتآكل، ومعه تتآكل صورة السلطة الفلسطينية، التي لم تنجح في كبح جماح الفساد والمحسوبية في مؤسساتها الوليدة المتعطشة إلى لذة الحكم ومغانمه. كل ذلك سهَّل لـ«حماس» استقطاب الشارع الناقم والغاضب واليائس.

وفي حين ذهب البعض إلى عدّ فوز «حماس» بداية لعصر جديد من التاريخ الفلسطيني المعاصر، بدا لكثيرين أن حلاوة الانتصار هذه ما هي إلا مقدمة لتمزُّقات داخلية في النسيج الوطني الفلسطيني، وبناه السياسية التي (ولكثرة معاناتها من عسف الاحتلال وجوره) تطمح في ظمأ لا نهاية له إلى السلطة، وأي سلطة هنا سيصعب معها قبول الآخر أو الاعتراف به؛ فالساحة الفلسطينية (لشدة ضيقها في مخيّلة أطراف اللعبة فيها) لا تتسع للتعددية، ولو في وجه المحتل.

وللأسف، فقد صدقت نبوءة أصحاب الرأي الثاني؛ فجاءت تطورات الأحداث لتصدق توقعاتهم، وقد حمل صيف عام 2007 بدايات الانقسام الفلسطيني الحاد؛ إذ لجأت «حماس» (وهي الممسكة بزمام السلطة من خلال رئاستها للحكومة) إلى الانقلاب على السلطة الوطنية الفلسطينية فيما رآه البعض «حسماً عسكرياً»، والتفرُّد بحكم قطاع غزة، ولتنقل المواجهة بعد أشهر من الحصار الإسرائيلي للقطاع إلى معبر رفح مع مصر، بينما فشل أكثر من حوار رعته أطراف عربية حيادية في إصلاح ذات البين الفلسطيني.

وعن علاقات «حماس» بالحركات الإسلامية في فلسطين وإسرائيل، فالإجابة (في الكتاب) جاءت من الأكاديمي الفلسطيني الدكتور رائد نعيرات الذي سأل عن إشكالية علاقة «حماس» بإسلاميي الداخل الفلسطيني، خصوصاً حركة «الجهاد الإسلامي» و«الحركة الإسلامية» في أراضي 1948، وأسباب عدم بلورة إطار تنظيمي موحَّد يجمع هذه القوى، على غرار ما فعلت «منظمة التحرير الفلسطينية» في بداياتها، مع أن القواسم الفكرية والدينية والسياسية بينهم متوافرة؟ ويؤكد الدكتور نعيرات أن دراسة العلاقة بين «حماس» وكل من «الجهاد»، و«الحركة الإسلامية»، في أراضي 1948، تفترض ضرورة الفصل بين الموضوعين، وذلك لأسباب واعتبارات موضوعية؛ فعلاقة «حماس» بـ«الجهاد الإسلامي» تبدو سهلة القياس، خصوصاً مع اعتبار العلاقة العضوية والموضوعية بين الحركتين، وما إذا كانت موجودة أم لا. أما علاقة «حماس» بـ«الحركة الإسلامية» في إسرائيل، فيكتنفها الغموض في الجانب العضوي، أو طبيعة التنسيق، أو حتى مجرد تفحُّص صدقية نظرية كهذه، ويعود ذلك إلى حتميات يفرضها الواقع الفلسطيني الداخلي، والاعتبارات السياسية والأمنية؛ إذ في حال وجدت علاقة كهذه، فليس من صالح أي من الحركتين الإفصاح عنها.

وفي موضوع لا يزال يثير كثيراً من الجدل بين الباحثين، وحتى داخل الحركة نفسها، يقارب الدكتور عماد جاد جدليات السياسي والعسكري في علاقات «حماس» مع «الدولة» الفلسطينية، ويشير إلى مواقف وتصريحات عديدة من مستويات قيادية مختلفة في «حماس»، تتمحور حول إمكانية قبول الحركة بدولة فلسطينية على أراضي 1967. يثير التساؤل المبرَّر حول حقيقة موقف «حماس» من فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وطبيعة التحولات التي تمر بها الحركة، وما إذا كانت وصلت إلى درجة من الواقعية السياسية على نحو يجعلها تقدم السياسي البراغماتي على الآيديولوجي المبدئي؟

ما تقوم به حركة «حماس»، بجناحها العسكري، أي «كتائب عز الدين القسام»، إنما يمثل صميم المشروع الأصولي المرتبط بالقوى المتمردة على السلام. وبعد أن رأى العرب خسائر لبنان في الحرب العبثية الخاسرة، عام 2006، تكرر «حماس» تلك التجربة على شعب غزة المنكوب. إنها حالة التكرار لتجريب الفشل، أو ما يسميه المفكر مطاع صفدي «الانتكاب المستدام»، وهذا الاستهتار بمصالح الإنسان في فلسطين ولبنان لا بد أن يتوقف، وللأسف، فإنهم لا يتوقفون ولا يقرون بخطئهم حتى تقوم إسرائيل بـ«حملة تأديبية» واسعة النطاق، حينها يعلمون أن الواقع أكبر من الأمنيات.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

الأكثر قراءة

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط