الزمن الجوراسي عند العرب
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
أنا أظن أن أكثرنا قد شاهد سلسلة أفلام "الحديقة الجوراسية" وهو فيلم بلغت تكلفة إنتاجه في جزئه الأول ما يقرب من الستين مليون دولار (63 مليون دولار) وبلغت إيراداته أكثر من مليار دولار (1029153882دولارا) وسوقت إكسسوارات الفيلم بمبالغ ضخمة خدمت الأجزاء الأخرى من الفلم في التسويق والدعاية، كما أن هذا الفيلم أوحى بأفكار لاستنساخ الماضي ومحاولة إعادته دراميا وروائيا.
أما خطاب الفيلم فعبارة عن نداء تحذير من أخطاء قد تحدث في حال التوصل للتواصل مع الماضي من خلال علوم الاستنساخ والهندسة الوراثية والتوصل لاستنساخ حيوانات العصر الجوراسي المرعبة.
وبعد مشاهدتي للفيلم تذكرت أني قد همشت مادة لها علاقة شبيهة بالزمن "الجوراسي" عند العرب قديما، وكان يطلق عليه "زمن الفطحل".
يقول محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) في تهذيب اللغة:
"(فطحل): وَقَالَ اللَّيْث: الفِطَحْلُ هُوَ دَهْرٌ لم يُخلق الناسُ فِيهِ بعد. وَأنْشد:
زمنَ الفِطحْل إِذْ السَّلامُ رِطَاب...".
جاء في لسان العرب لابن منظور الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
"فطحل: الفِطَحْل، عَلَى وَزْنِ الهِزَبْر: دَهْرٌ لَمْ يخلَق النَّاسُ فِيهِ بَعْدُ، وزمنُ الفِطَحْل زَمَنُ نُوحٍ النَّبِيِّ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ وَسُئِلَ رُؤْبَةُ عَنْ قَوْلِهِ زَمَنَ الفِطَحْل فَقَالَ: أَيام كَانَتِ الْحِجَارَةُ فِيهِ رِطاباً، رُوِيَ أَن رُؤْبَةَ بْنَ الْعَجَّاجِ نَزَلَ مَاءً مِنَ الْمِيَاهِ فأَراد أَن يتزوَّج امرأَة فَقَالَتْ لَهُ المرأَة: مَا سِنُّك مَا مالُك مَا كَذَا؟ فأَنشأَ يَقُولُ:
لمَّا ازْدَرتْ نَقْدِي وقلَّت إِبلي ... تأَلَّقَتْ، واتَّصَلتْ بعُكْل
تَسْأَلُني عَنِ السِّنِين كَمْ لِي؟ ... فَقُلْتُ: لَوْ عَمَّرْتُ عمرَ الحِسْل،
أَو عُمْرَ نُوحٍ زمنَ الفِطَحْل، ... والصَّخْر مُبْتَلٌّ كطِين الوَحْل،
أَو أَنَّني أُوتِيتُ عِلْم الحُكْل، ... عِلْمَ سُلَيْمَانَ كلامَ النَّمْل،
كنتُ رَهِين هَرَم أَو قَتْل...".
هذا ما وجدته في كتب الغريب كما أن الثعالبي قد ذكر زمن الفطحل في كتاب ثمار القلوب يقول:
(زمن الفطحل) من أَمْثَال الْعَرَب كَانَ ذَلِك زمن الفطحل قَالَ رؤبة
(إِنَّك لَو عمرت عمر الحسل ... أَو عمر نوح زمن الفطحل)
(والصخر مبتل كطين الوحل ... كنت رهين هرم أَو قتل).
وَسُئِلَ عَن زمن الفطحل فَقَالَ أَيَّام كَانَت الْحِجَارَة رطبَة وَإِذا كل شيء ينْطق قَالَ وَزعم بعض أهل اللُّغَة أَن زمن الفطحل هُوَ زمن الخصب وَالسعَة وَأَنَّهُمْ أَرَادوا برطوبة السَّلَام ابتلال الصخر ورفاهية الْعَيْش واتصال الغيوث وَصدق الأنواء
وَقَالَ الْخَلِيل زمَان الفطحل زمَان لم يخلق النَّاس بعد.
قَالَ القاضي أَبُو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز أما قَوْلهم أَيَّام كَانَت الْحِجَارَة رطبَة وَإِذ كل شيء ينْطق فهما من الْأُمُور الَّتِي يتداولها جهلة الْأُمَم وَهُوَ الظَّاهِر بَين أغفال الْعَرَب والعامة هَذَا ابْن أُميَّة بن أَبى الصَّلْت وَهُوَ من حكماء الْعَرَب والمتخصصين مِنْهَا بالرواية يَقُول:
(وَإِذا هم لَا لبوس لَهُم عُرَاة ... وَإِذ صم السَّلَام لَهُم رطاب)
(بِآيَة قَامَ ينْطق كل شيء ... وخان أَمَانَة الديك الْغُرَاب)
وَعَن مقَاتل بن سُلَيْمَان أَنه كَانَ يَقُول إِذْ الصخور كَانَت لينَة وَإِذ قدم إِبْرَاهِيم أثرت في صَخْرَة الْمقَام للين الصخر كُله يَوْمئِذٍ وَلَيْسَ مَذْهَب هَؤُلَاءِ فِيمَا رَوَوْهُ يذهب مَذْهَب من جعلهَا أَجزَاء من الأَرْض تناسبت فتضامت وتحجرت فيزعم أَن الصخر إِنَّمَا ييبس من ندوة ويصلب بمدر خلْوَة وَلَو أَرَادوا ذَلِك لوجدوا متسعا في القَوْل لَكِن الأوهام الَّتِي صورت لَهُم أَن الْبَهَائِم كَانَت ناطقة عَاقِلَة وفروع السعدان ملساء لينَة وأغصان السيال ناعمة خضراء هي الَّتِي أدتهم لذَلِك وَلَا يبعد أَن يكون الْقَوْم قصدُوا استعطاف الْقُلُوب إِلَى الْحِكْمَة وَأَرَادُوا تألفهم على الْفَهم فوضعوا أَمْثَالًا وشوها بِبَعْض الْهزْل وأدرجوا الْجد في أثْنَاء المزح ليخف على الْقُلُوب احتمالها ويسوغ إِلَيْهَا التفاتها وَظن من لم يَقع من التَّمْيِيز موقع الْكَمَال بالبهائم أَنَّهَا كَانَت تنطق وتفصح وَتبين عَن نَفسهَا وتعرب فاختلقوا أَحَادِيث أضافوها إِلَيْهَا وَكَانَ للْعَرَب في ذَلِك شَأْن خُصُوصا مَا ازدادت على سَائِر الْأُمَم بِهِ لفضل مَا فِيهَا من اللهج بالْكلَام وَمَا أُوتيت من الاقتدار على التَّصَرُّف في الْمنطق فاختلقت لَهَا قريضا وفصلت أسجاعا كالذي حكته عَن الضَّب أَنه قَالَ فى صبره على المَاء وَهُوَ عِنْدهم أَصْبِر ذي نفس
(آلَيْت أَلا أردا ... إِلَّا عرادا عردا)
(وصليانا صردا ... وعنكثا ملتبدا)
وَزَعَمُوا أَن القطا قَالَت للحجل حجل حجل كفرس في الْجَبَل يهمز من خوف الْأَجَل
فَقَالَ الحجل قطا قطا أرى قفاك أمعطا بيضك ثِنْتَانِ وبيضي مِائَتَا
هَكَذَا جَاءَت الرِّوَايَة والأمثال تجرى على ألفاظها وَأَشْبَاه ذَلِك كثير وَالْعرب تسمى ذَلِك الزَّمَان زمَان الفطحل قَالَ
(زمن الفطحل إِذْ السَّلَام رطاب...).