من خزينة الذاكرة.. جمال الماضي ومتاعبه
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
أصبحت جاهزاً لإنتاج كتاب أسجّل فيه ما شاهدته في ثلاثة مواقع، كنت فيها مسؤولاً وشاهداً ومدوناً لأحداث تاريخية، حملني الحظ الطيب لأعيش فيها وأستطعم محتوياتها وأعاني من بعضها، وأحزن كثيراً للمتاعب التي تحملتها الكويت والمسؤولون فيها من الأحداث التي أفرزتها تلك الحقبة.
في الموقع الأول، عندما اختارني المرحوم الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية مديراً لمكتبه، وذلك في يناير 1964، بعدها أخذتني المفاجآت لأمثل الكويت في اجتماع لجنة اللاجئين الفلسطينيين التابعة للجامعة العربية، الذي كان سيعقد في القاهرة، وذهبت إلى الاجتماع ومعي المرحوم الدبلوماسي إبراهيم بحوه، الذي كان دبلوماسياً في سفارة الكويت في القاهرة.
ومع بداية الاجتماع، قام الوفد المصري بتوزيع مذكرة تسجل وجود وفد استرالي يسكن في أحد فنادق الكويت، مهمته تشجيع الفلسطينيين المقيمين في الكويت للهجرة إلى استراليا، الأمر الذي يتعارض مع قرارات الجامعة العربية.
كانت مفاجأة أثارت استغراب الحضور وسخط الكويت، واعترضنا على سوء التصرف، وكان الأجدر قيام السفارة المصرية بإبلاغ الكويت دون اللجوء إلى هذا التصرف البارد، ورغم صعوبة الاتصال الهاتفي آنذاك، أبلغنا الوزارة، فتم استدعاء السفير للقاء معالي الوزير، وكان عتاباً شديداً، خرج منه السفير حزيناً.
انتهى الاجتماع وعدت إلى الكويت، حيث شرحت التفاصيل لوكيل الوزارة المرحوم عبدالرحمن العتيقي، الذي أخذني إلى معالي الوزير لطرح التفاصيل أمامه.
كانت تلك المناسبة أول لقاء لي مع أحد كبار رجالات الأسرة، وبدأت العمل في مكتب الوكيل لفترة قصيرة، ثم انتقلت إلى مكتب الوزير بعد أن نقل المدير السابق إلى لندن.
قضيت سبع سنوات مديراً للمكتب، كان الشيخ صباح أحد أعمدة السلطة، واسع النشاط، واعياً لواجباته القيادية، متابعاً للمسيرة البرلمانية، حريصاً على سلامتها ولاعباً كبيراً في نجاحها، ومسخراً جميع المواهب لبناء علاقات شراكة بين الحكومة والمجلس.
كان رحباً في حواراته مع النواب، متعاطفاً مع متطلباتهم، صاغياً لملاحظاتهم، محيطهم باستثنائية الترحيب، كنت أحضر بعض جلسات لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، وأهم ملاحظاتي تلك الحميمية التي يخص بها النواب، وكانت المداولات تسير بسهولة، كان جميل المعشر مع كبار المسؤولين في الوزارة، معظمهم من الناصريين، الذين اختارهم المرحوم جاسم القطامي، أول وكيل للوزارة.
لم يتوقف عند هذا الواقع، لأنه كان يحترم القناعات ويركز على الأداء، ومؤمناً بالحرية، ومدركاً لحقائق الكويت المنفتحة والمستوعبة لكل الألوان..
كان الشيخ صباح يتعامل في مسؤولياته المتعددة كواحد من قيادات الدولة، تشكل وزارة الخارجية فصلاً من فصول عدة، ولهذا كانت التزاماته متعددة وملفاته مختلفة، فضلاً عن شبكة العلاقات الشخصية التي يسعى لتكثيفها مع مختلف أبناء الوطن.
ويمكن أن أسجل بأن الملف الوحيد الذي كان يثير قلقه هو الخاص بالعلاقات مع العراق، خصوصاً فيما يتعلق بجهود اللجان لترسيم الحدود، وهي لجان كانت الكويت تحرص على نجاحها، بينما العراق يأخذها كوسيلة ضغط للحصول على المزيد من المكاسب من الخصوصيات التي تميز العلاقات بين البلدين، انسجاماً مع اتباع سياسة الزحف المبرمج.
كان ملف العلاقات مزعجاً، استغله العراق للوصول إلى امتيازات داخل الكويت، مع إلصاق تميزات يحصل عليها العراق انسجاماً مع الخصوصية التي تتحلى بها روابط البلدين، هكذا كان المنظور العراقي، وكانت المعاناة الكويتية تتمثل في استدعاء السفير العراقي، وتقديم شكوى وتسجيل مذكرة احتجاج.
كانت العلاقات غير مريحة، وتسعى الكويت لتغطية متاعبها بالحفاظ على سرية الملفات بين البلدين.
تتبدل الأحوال وفق الأنظمة التي تتولى السلطة في بغداد، كان عهد الأخوين عبدالسلام عارف وأخيه عبدالرحمن لطيفاً ومجاملاً من دون تقدم، وكانت الوعود مغرية من دون تنفيذ، وجاء بعد ذلك حزب البعث، الذي كان مشغولاً بتثبيت حكمه، وتصفية المعارضة في بغداد وفي الشمال، وبعدها الحرب مع إيران، وكان دور الشيخ صباح مسانداً ومتبرعاً كرئيس للجنة العربية للدفاع عن العراق.
وخلال الحرب مع إيران حصل العراق على تسهيلات كويتية سيادية استغلها العراق، ومن وحيها رسم نظام البعث خريطة المستقبل مع الكويت وفق هذه التسهيلات، التي تجعل الكويت دولة ملحقة للعراق بخليط من السيادة المحدودة وملحقة بالتبعية.
وطرح العراق مشروعه لترسيم الحدود في فبراير 1990، قدمه العراق إلى الشيخ صباح في زيارته إلى بغداد، مهنئاً العراق بخروجه سالماً من الحرب، وكان موقف الشيخ صباح قوياً في رفض هذا التطاول على سيادة الكويت، مشيراً إلى التزام الكويت باتفاقية الدفاع المشترك العربية، ولا شيء غير ذلك.
ومع تعالي التوتر وتصعيد الأزمة، بدأ الرئيس صدام حسين في وضع الخيوط لمؤامرة الغزو، كانت مغامرة غير مسبوقة اتخذها رئيس العراق صدام حسين بمفرده، وهي في الحقيقة خطوة قد تحقق الهدف وقد تأتي بكارثة.
كانت خطوة لا تخرج من العقلاء، وهي من نصيب السفهاء، الذين كان صدام حسين زعيمهم.
تعرض الشيخ صباح لصدمة كبيرة في إيمانه العميق بالترابط بين الدول العربية، وحرصه على سلامة الدول الأعضاء، وكان هذا الإيمان منبع نشاطه في القضايا العربية، وتطوعه للتعامل معها، حاملاً نغمة التفاؤل، لا يقترب منه اليأس، حريصاً على بقاء الملفات مفتوحة.
كان فريداً في سخائه للقضايا العربية، لا يحب الجدل، ولا يطيق الثرثرة في الاجتماعات، وتبنى الواقعية، وسار بقوة مع التوجه العربي المستذوق للتكاتف العربي، والحذر من الدول الكبرى والابتعاد عنها، وفوق ذلك وضع أمن الكويت وسيادتها وديعة يصون سلامتها التضامن العربي.
وهنا لابد من استذكار حدود المناورة، التي كانت الدبلوماسية الكويتية تتحرك في إطارها، والتي حصرتها في الدائرة العربية كرادع يحميها من المخاطر والتهديدات.
كان الشيخ صباح واعياً لهذه الحقائق، حذراً في تقاربه مع الدول الكبرى، وفياً لقرارات الجامعة العربية حول الشأن الكويتي، وسائراً في الطريق الصحيح بعلاقات سليمة مع بريطانيا والولايات المتحدة، لكنها تفتقد الحرارة وبعيدة عن سلم الأولويات.
وأعتقد أن الترابط الكويتي - العربي الفريد في هويته كان حاضراً في الذهنية الكويتية الرسمية والشعبية، فلم يتوافر الصوت الشعبي منادياً للبحث عن رادع يصد المخاطر عن الكويت ويساعدها في محنتها، مثل أصدقاء زمان كبريطانيا، أو شركاء المصالح مثل الولايات المتحدة، وإنما ظل الجميع يتابع الوساطات، وجميعها من أعضاء الجامعة العربية، وأبرزهم الرئيس حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية، ولا ننكر أن التاريخ سجل بأننا جميعاً لم نسعَ، في وقت الشدة، للخروج من قيود فرضتها الجامعة العربية على سيادة الكويت قبل ثلاثين سنة من الغزو، وتسبب ذلك التقصير في مأساة الغزو، التي أفرزت انقسامات عربية، وكشفت عجزها عن إدانة العدوان، وأتت بتحالف عالمي خرج من شرعية الأمم المتحدة، قادته الولايات المتحدة وعدد من أصدقاء الكويت، أنجزوا مهمة التحرير وإعادة الدولة إلى أهلها وشرعيتها، مع الوقوف على حقائق العالم العربي، واستحضار آليات الردع عبر الشراكة الاستراتيجية مع أصدقاء المصالح ورفقاء الماضي، ومنها توفر الردع الفاعل الذي لا مفر لأمن الكويت من تواجده، مع وعي رسمي وشعبي بهذه الحقيقة، التي سترافق حياة الكويت طوال المستقبل.
*نقلاً عن "القبس"