حرب غزة والصفقة الأميركية

طارق فهمي
طارق فهمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

تكشف التحركات الأميركية في ملف تهدئة غزة، والعمل على إتمام هدنة ثلاثية المراحل من خلال العمل مع الشريكين، سواء مصر أم قطر، ما يؤكد أن الإدارة الأميركية عازمة على الانخراط في ما يجري من ترتيبات بصرف النظر عن تفاصيل متعلقة بالاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، وبرغم تجمد مسار المفاوضات حالياً، وقد برز ذلك في ملف إنشاء الرصيف البحري، ومشاركة الجانب الأميركي بصورة كاملة في إعداده، وتهيئته بصورة عاجلة لإتمام مهام متعددة لن تقتصر فقط على عمليات نقل المساعدات والمعونات.

الوجود الأميركي في تفاصيل ما يجري من ترتيبات استراتيجية في عمق القطاع، بل وفي الضفة الغربية يظهر من خلال المسعى الأميركي لإعادة تنشيط دور السلطة الفلسطينية، وجودها بعد سنوات من إقصاء دورها، ما يؤكد أن الإدارة الأميركية تعتمد مقاربات متعددة ومهمة عاجلة، وقد اتضح ذلك من خلال ما يجري في مفاوضات الهدنة بشأن غزة ومنذ باريس 2، ومروراً بالدوحة، وأخيراً في القاهرة، حيث لم يعد دور الاستخبارات المركزية المشاركة في المفاوضات فقط والعمل على التوصل لاتفاق مرحلي، وإنما أيضاً رسم السياسات والأطر التي ستحكم عمل ما يتم الاتفاق بشأنه، وهو أمر مهم، ويأتي اتساقاً لما يجري من تطورات متعلقة بالتزام كل طرف ووجود ضمانات أميركية ممنوحة للجانبين بصورة أو بأخرى في ظل سيناريوهات متعددة تقر بالحضور الأميركي.

اللافت في كل ما يجرى، ويستهدف وضع الولايات المتحدة دولة رئيسة ومسؤولة، وراعياً مستمراً لعملية التسوية بصرف النظر عن الانحياز الأميركي الكبير لإسرائيل، وتأكيد مكانتها الراسخة في الإقليم برغم التجاذبات القائمة في الوقت الراهن، والتي تعمل في سياقات مختلفة متعلقة بإمدادات السلاح أو الدعم السياسي والاستراتيجي في الكونجرس ومجلس الشيوخ، ما يعني أن الولايات المتحدة طرف مركزي في أي تسوية قد تتم، وتحتاج إلى تماسك سياسي واستراتيجي حقيقي ودور قوي، ومتعدد الاتجاهات والمسارات.

الولايات المتحدة لا تريد أن تمتد قوى أخرى مثل الصين أو روسيا للعب دور، أو الدخول على خط ما يجري، سواء تمت التسوية الراهنة وأقرت الهدنة أم تم انفتاح المشهد السياسي والأمني والعسكري إلى سيناريوهات ممتدة، وصمم الجانب الإسرائيلي على استكمال العمل العسكري، وعدم الالتفات إلى مسارات التهدئة الراهنة، والتي يسعى إليها الشركاء منعاً لتمدد الحرب إلى مسارح عمليات أخرى، وارتدادات حرب غزة لاتزال تعلن عن نفسها في إطار عام، وقد تتسع الرؤية أو مساحات التباين، حيث سيظل استهداف إسرائيل من فواعل من غير الدول قائما، وهو ما تتخوف من تأثيراته إسرائيل.

في مسار مكمل تتجه الولايات المتحدة لتسويق خيار السلام بين السعودية وإسرائيل في إطار مقاربة إقليمية أوسع في حال تعثر ما يجري على مستوى الثنائي بين «حماس» وإسرائيل، وتجمد المشهد على جانب السلطة الفلسطينية ما يدفع الولايات المتحدة لتقديم قائمة تحفيزية كبيرة لإسرائيل لدفعها إلى إقرار خيار إقليمي أكبر، ومنحها الفرصة للقبول بخيار حلة الدولتين، أو دولة منزوعة السلاح، ما يؤكد أن العمل على مستويات أكبر وإقناع الجانب الإسرائيلي بأن السلام والتسوية يمكن أن يوفرا لإسرائيل الأمن التي تسعى إليه، وهو أمر يحتاج جهداً حقيقياً في حال استمرار إدارة بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي حال استمرار إدارة بايدن، فإن بمقدورها أن تبدأ خطوة أخرى على هامش إنجاز السلام وإقرار مشروع التطوير الحقيقي للعلاقات الذي يمكن أن يقود إسرائيل إلى التواصل مع الإقليم، ويتم استيعابها كدولة مقبولة شريطة أن تقبل بمسار المبادرة العربية والتجاوب مع طرح السعودية في إقرار اتفاق شراكة وتحالف استراتيجي محدد والسماح للجانب السعودي بامتلاك مشروع نووي سلمي، وبما يقر بواقع للسلام الإقليمي وفق معادلة جديدة مختلفة عما يجري، وذلك في حال تعثر مشروع الهدنة الراهنة، واستمرار رفض إسرائيل التجاوب مع أي طرح أميركي أو من قبل الشركاء الذين يعملون على الهدنة الراهنة ومحاولة تجسير الفجوة بين الجانبين والقفز إلى مساحة أخرى من التعامل الممتد، والمفتوح على سيناريوهات أخرى تعمل في اتجاه التوصل للتهدئة المقترحة.

ولدى الإدارة الأميركية مساران تتحرك من خلالهما في مساحات آمنة ومباشرة، وتجمع ما بين الانخراط مع الشركاء في الإقليم ومسارعة عنصر الوقت للتوصل إلى نقطة توافق، وإما التحرك في مسار إقليمي، وفي اتجاه مشروع التطبيع باعتباره مدخلاً جديداً ومهماً يمكن البناء عليه في ظل محاولات على كل الخيارات ومحاصرة النزعة العسكرية المتنامية، والتي تعمل في اتجاهات تبني خيار القوة والتصعيد والعمل على تحقيق مكاسب عسكرية، ونفي وجود الآخر. الإدارة الأميركية ستكون في واجهة ما يجري من تطورات تتعلق بمستقبل الإقليم وإعداد الترتيبات الأمنية المنشودة والتي تعمل في مساحات مختلفة لرسم شكل جديد للإقليم، حيث يمكن تقبل فكرة وجود الدولة الفلسطينية المستقلة على أن يتم الاعتراف الكامل بحضور إسرائيل في الإقليم، وهو أمر ليس سهلاً في ظل القوى المتربصة بما يمكن أن يخطط، وأيضاً في ظل خطر صعود قوى متطرفة لدى الجانبين.

* نقلا عن " الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط